(قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(150)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ: لِلِانْتِقَالِ مِنْ طَرِيقَةِ الْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي إِبْطَالِ زَعْمِهِمْ، إِلَى إِبْطَالِهِ بِطَرِيقَةِ التَّبْيِينِ، أَيْ أَحْضِرُوا مَنْ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا، تَقَصِّيًا لِإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ.
وَلِذَلِكَ أُعِيدَ أَمر الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مَا يُظْهِرُ كِذْبَ دَعْوَاهُمْ.
وَإِعَادَةُ فِعْلِ (قُلْ) بِدُونِ عَطْفٍ لِاسْتِرْعَاءِ الْأَسْمَاعِ وَلِوُقُوعِهِ عَلَى طَرِيقَةِ المحاورة كَمَا قدمْنَاهُ آنِفًا.
و (هَلُمَّ) اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ لِلْحُضُورِ أَوِ الْإِحْضَارِ.
وَالْأَمْرُ لِلتَّعْجِيزِ إِذْ لَا يَلْقَوْنَ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَا نسبوا إِلَيْهِ تَحْرِيمه من شئون دِينِهِمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.
وَأُضِيفَ الشُّهَدَاءَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ لِزِيَادَةِ تَعْجِيزِهِمْ، لِأَنَّ شَأْنَ الْمُحِقِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُهَدَاءُ يَعْلَمُهُمْ فَيُحْضِرُهُمْ إِذَا دُعِيَ إِلَى إِحْقَاقِ حَقِّهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: ارْكَبْ فَرَسَكَ وَالْحَقْ فُلَانًا، لِأَنَّ كُلَّ ذِي بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ لَا يَعْدَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ، فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ لَهُ فَرَسًا خَاصًّا وَلَكِنَّ الشَّأْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) [الْأَحْزَاب: 59] وَقَدْ لَا يَكُونُ لِإِحْدَاهِنَّ جِلْبَابٌ كَمَا
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُئِلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَانَا جِلْبَابٌ، قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا.
ووصفهم بِالْمَوْصُولِ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَى إِعْدَادِ أَمْثَالِهِمْ لِلشَّهَادَةِ، فَالطَّالِبُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ يَظُنُّهُمْ لَا يَخْلَوْنَ عَنْ شُهَدَاءَ بِحَقِّهِمْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُمْ وَذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِتَعْجِيزِهِمُ الْبَيِّنِ إِذَا لَمْ يُحْضِرُوهُمْ، كَمَا هُوَ الْمَوْثُوقُ بِهِ مِنْهُمْ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا) [الْأَنْعَام: 144] فَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ ثَمَّةَ شُهَدَاءُ.
قَوْلُهُ: (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) كِنَايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لِأَنَّ الَّذِي يُصَدِّقُ أَحَدًا يُوَافِقُهُ فِي قَوْلِهِ.
وَأَظْهَرَ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصِّلَةِ تَذْكِيرًا بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَهُمْ مِمَّنْ يُتَجَنَّبُ اتِّبَاعُهُمْ.
وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا الْيَهُودُ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) [الْأَنْعَام: 147] وَسَمَّى دِينَهُمْ هَوًى لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ إِلَى مُسْتَنَدٍ وَلَكِنَّهُ إِرْضَاءٌ لِلْهَوَى.
وَالْهَوَى غَلَبَ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَحَبَّةِ الْمُلَائِمِ الْعَاجِلِ الَّذِي عَاقِبَتُهُ ضَرَرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)
كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ لَا يُعَادَ اسْمُ الْمَوْصُولِ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ مُغْنٍ عَنْهُ، وَلَكِنْ أُجْرِيَ الْكَلَامُ على خلاف مقتصى الظَّاهِرِ لِزِيَادَةِ التَّشْهِيرِ بِهِمْ، كَمَا هُوَ بَعْضُ نُكَتِ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.