فهرس الكتاب

الصفحة 1643 من 4110

[سُورَة آل عمرَان(3): آيَة 187]

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ بأمرين: هما بَيَان الْكِتَابُ أَيْ عَدَمُ إِجْمَالِ مَعَانِيهِ أَوْ تَحْرِيفِ تَأْوِيلِهِ، وَعَدَمُ كِتْمَانِهِ أَيْ إِخْفَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ.

فَقَوْلُهُ: (وَلا تَكْتُمُونَهُ) عَطْفٌ عَلَى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) وَلَمْ يُقْرَنْ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأَنَّهَا لَا تُقَارِنُ الْفِعْلَ الْمَنْفِيَّ لِتَنَافِي مُقْتَضَاهُمَا.

وَقَوْلُهُ: (فَنَبَذُوهُ) عُطِفَ بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْقِيبِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُسَارَعَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ، وَالَّذِينَ نَبَذُوهُ هُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ فِي عُصُورِهِمُ الْأَخِيرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ عَهْدِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَالتَّعْقِيبُ الَّذِي بَيْنَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ نَبْذِهِمْ إِيَّاهُ مَنْظُورٌ

وَالنَّبْذُ: الطَّرْحُ وَالْإِلْقَاءُ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالْعَهْدِ تَشْبِيهًا لِلْعَهْدِ بِالشَّيْءِ الْمَنْبُوذِ فِي عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

وَوَرَاءُ الظُّهُورِ هُنَا تَمْثِيلٌ لِلْإِضَاعَةِ وَالْإِهْمَالِ، لِأَنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الْمُهْتَمِّ بِهِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ نُصْبَ الْعَيْنِ وَيُحْرَسَ وَيُشَاهَدَ قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) [الطّور: 48] .

وَشَأْنُ الشَّيْءِ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ أَنْ يُسْتَدْبَرَ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا التَّمْثِيلِ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعَارَةِ النَّبْذِ لِإِخْلَافِ الْعَهْدِ.

وَالْمُرَادُ إِهْمَالُ أَحْكَامِهِ وَتَعْوِيضُ إِقَامَتِهَا بِنَفْعٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَوْعَيِ الْإِهْمَالِ، وَهُمَا إِهْمَالُ آيَاتِهِ وَإِهْمَالُ مَعَانِيهِ.

وَالِاشْتِرَاءُ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمُبَادَلَةِ وَالثَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرُّشَى وَالْجَوَائِزِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالظُّلْمِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْعَامَّةِ عَلَى تَأْيِيدِ الْمَظَالِمِ وَالْمَفَاسِدِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَتَأْوِيلُ كُلِّ حُكْمٍ فِيهِ ضَرْبٌ عَلَى أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَالظَّلَمَةِ بِمَا يُطْلِقُ أَيْدِيَهُمْ فِي ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ مِنْ ضُرُوبِ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَتَحْذِيرَاتِ الَّذِينَ يَصْدَعُونَ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكِرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت