(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(73)
وَقُرِنَ الْمُنَافِقُونَ هُنَا بِالْكُفَّارِ: تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْأَمْرِ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ قَدْ تَحَقَّقَ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَجِهَادُهُمْ كَجِهَادِ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَرَنَهُمْ فِي الْوَعِيدِ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ إِذْ قَالَ: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ) [التَّوْبَة: 68] وَأَوْمَأَ قَوْلُهُ هُنَالِكَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا آخَرَ، لَا جَرَمَ جَمْعَهُمْ عِنْدَ شَرْعِ هَذَا الْعَذَابِ الْآخَرِ لَهُمْ.
فَالْجِهَادُ الْمَأْمُورُ لِلْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وَلَفْظُ (الْجِهَادِ) مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وَفَائِدَةُ الْقَرْنِ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْجِهَادِ: إِلْقَاءُ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْشَى أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ خَاضِدًا شَوْكَتَهُمْ.
وَأَمَّا جِهَادُهُمْ بِالْفِعْلِ فَمُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُظْهِرِينَ الْكُفْرَ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ الْجِهَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنَافِقِينَ بِالْمُقَاوَمَةِ بِالْحُجَّةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَكَانَ غَالِبُ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي عَهْدِ النُّبُوءَةِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ جِهَادُهُمْ يَنْتَهِي إِلَى الْكَشْرِ فِي وُجُوهِهِمْ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ إِيذَانٌ لِلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ النِّفَاقَ يُوجِبُ جِهَادَهُمْ قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ وَيُعَرِّفُهُمْ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ مِنْهُمْ مَنْ تَكَرَّرَتْ بَوَادِرُ أَحْوَالِهِ، وَفَلَتَاتُ مَقَالِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيءُ مُمْسِكًا عَنْ قَتْلِهِمْ سَدًّا لِذَرِيعَةِ دُخُولِ الشَّكِّ فِي الْأَمَانِ عَلَى الدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ لِعُمَرَ:
«لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»
وَلَعَلَّ مِنْ حِكْمَةِ الْإِعْلَامِ بِهَذَا الْجِهَادِ تَهْيِئَةَ الْمُسْلِمِينَ لِجِهَادِ كُلِّ قَوْمٍ يَنْقُضُونَ عُرَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ حَقُّ الرَّسُولِ فِي حَيَاتِهِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا نِفَاقٌ مِنْ قَادَتِهِمُ اتَّبَعَهُ دَهْمَاؤُهُمْ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَانَتْ سَبَبًا فِي انْزِجَارِ مُعْظَمِ الْمُنَافِقِينَ عَنِ النِّفَارِ وَإِخْلَاصِهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ.
وَكَانَ قَدْ كَفَى اللَّهُ شَرَّ مُتَوَلِّي كِبْرِ النِّفَاقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ بِمَوْتِهِ فَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ كَافِيًا عَنْ إِعْمَالِ الْأَمْرِ بِجِهَادِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) [الْأَحْزَاب: 25] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى التَّكْفِيرِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ قَائِلِهِ أَوْ فَاعِلِهِ دَلَالَةً بَيِّنَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَنَ الْكُفْرَ.
(وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وَإِنَّمَا وُجِّهَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُ جُبِلَ عَلَى الرَّحْمَةِ فَأُمِرَ بِأَنْ يَتَخَلَّى عَنْ جِبِلَّتِهِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَنْ لَا يُغْضِي عَنْهُمْ كَمَا كَانَ شَأْنُهُ مِنْ قَبْلُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي نَسْخَ إِعْطَاءِ الْكُفَّارِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَبْقَى ذَلِكَ لِلدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ حَدِيثًا.
وَجُمْلَةُ: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) تَذْيِيلٌ.
وَالْمَأْوَى مَا يَأْوِي إِلَيْهِ الْمَرْءُ مِنَ الْمَكَانِ، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ.
وَالْمَصِيرُ الْمَكَانُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ، أَيْ يَرْجِعُ فَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَأْوَى بِالِاعْتِبَارِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُنَا تَفَنُّنٌ