(يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)
الخطاب بـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ شَأْنُ خطاب الْقُرْآن بـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ) .
وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوُجُوبِ وَلَا لِلْإِبَاحَةِ، إِذْ لَيْسَ الْكُفَّارُ بِأَهْلٍ لِلْخِطَابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَوْلُهُ: (كُلُوا) تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) .
وَقَوْلُهُ: (حَلالًا طَيِّبًا) تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ فِيمَا أَعْنَتُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ فَحَرَمُوهَا مِنْ نِعَمٍ طَيِّبَةٍ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ إِبَاحَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَوْصَافِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحِلِّ وَالتَّحْرِيمِ.
وَالْمَقْصُودُ إِبْطَالُ مَا اخْتَلَقُوهُ مِنْ مَنْعِ أَكْلِ الْبَحِيرَةِ، وَالسَّائِبَةِ، وَالْوَصِيلَةِ، وَالْحَامِي، وَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي (سُورَةِ الْأَنْعَامِ) مِنْ قَوْلِهِ: (وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ) [الْأَنْعَام: 138] الْآيَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا مَا تستطيبه النُّفُوسُ بِالْإِدْرَاكِ الْمُسْتَقِيمِ السَّلِيمِ مِنَ الشُّذُوذِ وَهِيَ النُّفُوسُ الَّتِي تَشْتَهِي الْمُلَائِمَ الْكَامِلَ أَوِ الرَّاجِحَ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ تَنَاوُلُهُ بِضُرٍّ جُثْمَانِيٍّ أَوْ رُوحَانِيٍّ وَسَيَأْتِي مَعْنَى الطَّيِّبِ لُغَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) [الْمَائِدَة: 4] فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَفِي هَذَا الْوَصْفِ مَعْنًى عَظِيمٌ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى قَاعِدَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ الشَّرْعُ فِيهَا بِشَيْءٍ أَنْ أَصْلَ الْمَضَارِّ مِنْهَا التَّحْرِيمُ وَأَصْلَ الْمَنَافِعِ الْحِلُّ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الشَّيْءِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَوَارِضِهِ كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ الْمُوجِبِ تَحْرِيمَهُ، إِذِ التَّحْرِيمُ حِينَئِذٍ حُكْمٌ لِلْعَارِضِ لَا لِلْمَعْرُوضِ.
وَقَدْ فُسِّرَ الطَّيِّبُ هُنَا بِمَا يُبِيحُهُ الشَّرْعُ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّكْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ لَفْظٍ فِي مَعْنًى غَيْرِ مُتَعَارَفٍ عِنْدَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) الضَّمِيرُ لِلنَّاسِ لَا مَحَالَةَ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْمُتَلَبِّسُونَ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ دَوْمًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَحَظُّهُمْ مِنْهُ التَّحْذِيرُ وَالْمَوْعِظَةُ.
وَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
(إِنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَالنَّاسِ مَعْلُومَةٌ مُتَقَرِّرَةٌ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانُوا فِي الْحَجِّ يَرْمُونَ الْجِمَارَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَرْجُمُونَ الشَّيْطَانَ، أَوْ تُجْعَلُ (إِنَّ) لِلتَّأْكِيدِ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ الْمُتَرَدِّدِ فِي الْحُكْمِ مَنْزِلَةَ الْمُتَرَدِّدِ أَوِ الْمُنْكَرِ لِأَنَّهُمْ لِاتِّبَاعِهِمُ الْإِشَارَاتِ الشَّيْطَانِيَّةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُنْكِرُ عَدَاوَتَهُ كَمَا قَالَ عَبْدَةُ:
إِنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكُمْ ... يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أَنْ تُصْرَعُوا
وَإِنَّمَا كَانَ عَدُوًّا لِأَنَّ عُنْصُرَ خِلْقَتِهِ مُخَالِفٌ لِعُنْصُرِ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ فَاتِّصَالُهُ بِالْإِنْسَانِ يُؤْثِرُ خِلَافَ مَا يُلَائِمُهُ، وَقَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ تَمْثِيلُ الشَّيْطَانِ فِي صُورَةِ الْعَدُوِّ الْمُتَرَبِّصِ بِنَا الدَّوَائِرَ لِإِثَارَةِ دَاعِيَةِ مُخَالَفَتِهِ فِي نُفُوسِنَا كَيْ لَا نَغْتَرَّ حِينَ نَجِدُ الْخَوَاطِرَ الشِّرِّيرَةَ فِي أَنْفُسِنَا فَنَظُنُّهَا مَا نَشَأَتْ فِينَا إِلَّا وَهِيَ نَافِعَةٌ لَنَا لِأَنَّهَا تَوَلَّدَتْ مِنْ نُفُوسِنَا، وَلِأَجْلِ هَذَا أَيْضًا صُوِّرَتْ لَنَا النَّفْسُ فِي صُورَةِ الْعَدُوِّ فِي مِثْلِ هَاتِهِ الْأَحْوَالِ.
وَقَوْلُهُ: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
يُشِيرُ إِلَى مَا اخْتَلَقَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ رُسُومِ الْعِبَادَاتِ وَنِسْبَةِ أَشْيَاءَ لِدِينِ اللَّهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.
وَخَصَّهُ بِالْعَطْفِ مَعَ أَنَّهُ بَعْضُ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ الشِّرْكُ وَالِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ.
وَمَعْنَى (مَا لَا تَعْلَمُونَ) لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (عَلَى اللَّهِ) أَيْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ يُرْضِيهِ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ رِضَا اللَّهِ وَأَمْرِهِ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْوَحْيِ وَإِلَى مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنَ الْقِيَاسِ وَأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الْمُسْتَقْرَاةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقُولَ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَالَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ مُقَدِّمَةٌ قَطْعِيَّةٌ مُسْتَقْرَاةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا وَهِيَ وُجُوبُ عَمَلِهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِأَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَخَاصَّةِ نَفْسِهِ فَهُوَ إِذَا أَفْتَى بِهِ وَأَخْبَرَ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى بِحَسَبِ مَا كُلِّفَ بِهِ من الظَّن.