(وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ(61) وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ (63)
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) أَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يُخَالِطْ قُلُوبَهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَيْ هُمْ دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَذَلِكَ، لِشِدَّةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَالْمَقْصُودُ اسْتِغْرَاقُ الزَّمَنَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ، إِذِ الْحَالَةُ إِذَا تَبَدَّلَتِ اسْتَمَرَّ تَبَدُّلُهَا، فَفِي ذَلِكَ تَسْجِيلُ الْكَذِبِ فِي قَوْلِهِمْ: (آمَنَّا) وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ.
وَالرُّؤْيَةُ فِي قَوْلِهِ: (وَتَرى) بَصَرِيَّةٌ، أَيْ أَنَّ حَالَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ.
وَالْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ.
وَالْإِثْمُ: الْمَفَاسِدُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، أُرِيدَ بِهِ هُنَا الْكَذِبُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) .
وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنِ اسْتَطَاعُوهُ.
و (لَوْلا) تَحْضِيضٌ أُرِيدَ مِنْهُ التَّوْبِيخُ.
وَاقْتُصِرَ فِي تَوْبِيخِ الرَّبَّانِيِّينَ عَلَى تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنْ قَوْلِ الْإِثْمِ وَأَكْلِ السُّحْتِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الْعُدْوَانُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْعُدْوَانَ يَزْجُرُهُمْ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَلْتَجِئُونَ فِي زَجْرِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي النُّصْرَةِ عَلَى غَيْرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ضَعْفٌ.
وَجُمْلَةُ (لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ) مُسْتَأْنَفَةٌ، ذَمٌّ لِصَنِيعِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ فِي سُكُوتِهِمْ عَنْ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، ويَصْنَعُونَ بِمَعْنَى يَعْمَلُونَ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هُنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا لِلتَّفَنُّنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ يَصْنَعُونَ أَدَلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ فِي الْعَمَلِ مِنْ يَعْمَلُونَ.