فهرس الكتاب

الصفحة 2014 من 4110

[سُورَة النِّسَاء(4): الْآيَات 156 إلى 158]

(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا(156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

وَفِي «الْكَشَّافِ» «تَكَرَّرَ الْكُفْرُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمُوسَى ثُمَّ بِعِيسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَعُطِفَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» ، أَيْ فَالْكَفْرُ الثَّانِي اعْتُبِرَ مُخَالِفًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ عَطْفِ قَوْلِهِ: (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا) .

وَالْمَسِيحُ كَانَ لَقَبًا لِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَقَّبَهُ بِهِ الْيَهُودُ قَصَدُوا مِنْهُ التَّهَكُّمَ، فَصَارَ لَقَبًا لَهُ بَيْنَهُمْ.

وَقَلَبَ اللَّهُ قَصْدَهُمْ تَحْقِيرَهُ فَجَعَلَهُ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَنَظِيرُهُ مَا كَانَ يُطْلِقُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَ مُذَمَّمٍ، قَالَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ: مُذَمَّمًا عَصَيْنَا، وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا.

فَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتُمُونَ وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ

وَقَوْلُهُ: (رَسُولَ اللَّهِ) إِنْ كَانَ مِنَ الْحِكَايَةِ: فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الثَّنَاء عَلَيْهِ وَالْإِيمَان إِلَى أَنَّ الَّذِينَ يَتَبَجَّحُونَ بِقَتْلِهِ أَحْرِيَاءُ بِمَا رَتَّبَ لَهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْمَدْحِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَحْكِيِّ: فوصفهم إيّاه مَقْصُود مِنْهُ التَّهَكُّمَ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الْحجر: 6] وَقَوْلِ أَهْلِ مَدْيَنَ لِشُعَيْبٍ (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا مَا نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: 87] فَيَكُونُ نَصْبُ «رَسُولِ اللَّهِ» عَلَى النَّعْتِ لِلْمَسِيحِ.

وَقَوْلُهُ (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ)

وَعَطَفَ (وَما صَلَبُوهُ) لِأَنَّ الصَّلْبَ قَدْ يَكُونُ دُونَ الْقَتْلِ، فَقَدْ كَانُوا رُبَّمَا صَلَبُوا الْجَانِيَ تَعْذِيبًا لَهُ ثُمَّ عَفَوْا عَنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا) [الْمَائِدَة: 33] .

وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ: أَنَّ الصَّلْبَ هُوَ أَنْ يُوثَقَ الْمَعْدُودُ لِلْقَتْلِ عَلَى خَشَبَةٍ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ ثُمَّ يُطْعَنُ بِالرُّمْحِ أَوْ يُرْمَى بِسَهْمٍ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى صُلِبَ ثُمَّ طُعِنَ بِرُمْحٍ فِي قَلْبِهِ.

وَجُمْلَةُ (وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) اسْتِدْرَاكٌ، وَالْمُسْتَدْرَكُ هُوَ مَا أَفَادَهُ وَما قَتَلُوهُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْقَوْلِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ.

وَأَنَّهُ اخْتِلَاقٌ مَحْضٌ، فَبَيَّنَ بِالِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ أَصْلَ ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ أَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَهِيَ شُبْهَةٌ أَوْهَمَتِ الْيَهُودَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا الْمَسِيحَ، وَهِيَ مَا رَأَوْهُ ظَاهِرًا مِنْ وُقُوعِ قَتْلٍ وَصَلْبٍ عَلَى ذَاتٍ يَعْتَقِدُونَهَا ذَاتَ الْمَسِيحِ، وَبِهَذَا وَرَدَتِ الْآثَارُ فِي تَأْوِيلِ كَيْفِيَّةِ مَعْنَى الشَّبَهِ.

قَوْلُهُ: (شُبِّهَ لَهُمْ)

وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ حَرْفٍ - عَلَى - تَضْمِينِ فِعْلِ شُبِّهَ مَعْنَى صُنِعَ، أَيْ صَنَعَ الْأَحْبَارُ هَذَا الْخَبَرَ لِأَجْلِ إِدْخَالِ الشُّبْهَةِ عَلَى عَامَّتِهِمْ.

وَفِي الْأَخْبَارِ أَنَّ (يَهُوذَا الِاسْخِرْيُوطِيَّ) أَحَدُ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ قَدْ ضَلَّ وَنَافَقَ، هُوَ الَّذِي وَشَى بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسَى، وَأَنَّهُ الَّذِي صُلِبَ، وَهَذَا أَصْلُهُ فِي إِنْجِيلِ بِرَنَابا أَحَدُ تَلَامِيذِ الْحَوَارِيِّينَ، وَهَذَا يُلَائِمُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ.

وَيُقَالُ: إِنَّ (بِيلَاطِسَ) ، وَالِيَ فِلَسْطِينَ، سُئِلَ فِي رُومَةَ عَنْ قَضِيَّةِ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، فَتَأَيَّدَ بِذَلِكَ اضْطِرَابُ النَّاسِ فِي وُقُوعِ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، وَلَمْ يَقَعْ، وَإِنَّمَا اخْتَلَقَ الْيَهُودُ خَبَرَهُ.

وَالَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ: أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَا صُلِبَ، وَأَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ وَنَجَّاهُ مِنْ طَالِبِيهِ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَالْأَمْرُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ.

وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ خِلَافٍ فِي شَأْنِ قَتْلِ الْمَسِيحِ.

وَالْخِلَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ: فَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ: قَتَلَتْهُ الْيَهُودُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَمْ يَقْتُلْهُ الْيَهُودُ، وَلَكِنْ قَتَلُوا يَهُوذَا الِاسْخِرْيُوطِيَّ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ بِالْمَسِيحِ، وَهَذَا الِاعْتِقَادُ مَسْطُورٌ فِي إِنْجِيلِ بِرْنَابا - الَّذِي تَعْتَبِرُهُ الْكَنِيسِيَّةُ الْيَوْمَ كِتَابًا مُحَرَّفًا - فَالْمَعْنَى أَنَّ مُعْظَمَ النَّصَارَى الْمُخْتَلِفِينَ فِي شَأْنِهِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِصَلْبِهِ، بَلْ يُخَالِجُ أَنْفُسَهُمُ الشَّكُّ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالْيَقِينِ، وَمَا هُوَ بِالْيَقِينِ، فَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ قَاطِعٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ.

قَوْلُهُ: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ.

وَالرَّفْعُ: إِبْعَادُهُ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى عَالَمِ السَّمَاوَاتِ، وَ (إِلَى) إِفَادَةُ الِانْتِهَاءِ الْمَجَازِيِّ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ، أَيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وَزُلْفَى.

وَالتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) ظَاهِرُ الْمَوْقِعِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أَنْ يُعِزَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَلَمَّا كَانَ حَكِيمًا فَقَدْ أَتْقَنَ صُنْعَ هَذَا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكَافِرِينَ، وَتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَعُقُوبَةً ليهوذا الخائن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت