فهرس الكتاب

الصفحة 3099 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): الْآيَات 50 إلى 51]

(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ(50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51)

الْفَيْضُ فِي الْآيَةِ إِذَا حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَانَ أَصْحَابُ النَّارِ طَالِبِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ أَنْ يَصُبُّوا عَلَيْهِمْ مَاءً لِيَشْرَبُوا مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ.

وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ الْفَيْضُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ سِعَةُ الْعَطَاءِ وَالسَّخَاءِ، مِنَ الْمَاءِ وَالرِّزْقِ، إِذْ لَيْسَ مَعْنَى الصَّبِّ بِمُنَاسِبٍ بَلِ الْمَقْصُودُ الْإِرْسَالُ وَالتَّفَضُّلُ، وَيَكُونُ الْعَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ وَهُوَ أَصْلُ الْعَطْفِ.

وَيَكُونُ سُؤْلُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ مُمَاثِلًا لِسُؤْلِهِمْ مِنَ الْمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، فَيَكُونُ فِي هَذَا الْحَمْلِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَهْلُ سَخَاءٍ.

وَالرِّزْقُ مُرَادٌ بِهِ الطَّعَامُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ) [الْبَقَرَة: 25] الْآيَةَ.

وَضَمِيرُ (قالُوا) لِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ جَوَابُهُمْ عَنْ سُؤَالِ أَصْحَابِ النَّارِ، وَلِذَلِكَ فَصَلَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ.

وَالتَّحْرِيمُ فِي قَوْلِهِ: (حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمَنْعُ.

وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ الْمُشْرِكُونَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عُرِفُوا فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا، وَعُرِفُوا بِإِنْكَارِ لِقَاءِ يَوْمِ الْحَشْرِ.

(فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)

وَالنِّسْيَانُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي الْإِهْمَالِ وَالتَّرْكِ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي الدُّنْيَا نَاسِينَ لِقَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَهُ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ حَدِيثَ مَنْ لَا يُصَدِّقُ بِوُقُوعِهِ.

وَتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ: (نَنْساهُمْ) لِإِظْهَارِ أَنَّ حِرْمَانَهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ كَانَ فِي أَشَدِّ أَوْقَاتِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهَا.

فَكَانَ لِذِكْرِ الْيَوْمِ أَثَرٌ فِي إِثَارَةِ تَحَسُّرِهِمْ وَنَدَامَتِهِمْ، وَذَلِكَ عَذَابٌ نَفْسَانِيٌّ.

وَدَلَّ مَعْنَى كَافِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: (كَما نَسُوا) عَلَى أَنَّ حِرْمَانَهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَانَ مُمَاثِلًا لِإِهْمَالِهِمُ التَّصْدِيقَ بِاللِّقَاءِ، وَهِيَ مُمَاثَلَةُ جَزَاءِ الْعَمَلِ لِلْعَمَلِ، وَهِيَ مُمَاثَلَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ يُقَالُ: إِنَّ الْكَافَ فِي مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [الْبَقَرَة: 198] وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ مَعْنًى يَتَوَلَّدُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْكَافِ فِي التَّشْبِيهِ الِاعْتِبَارِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا التَّشْبِيهُ بِمَجَازٍ، وَلَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ خَفِيَّةٌ لِخَفَاءِ وَجْهِ الشَّبَهِ.

وَ (مَا) فِي: (كَما نَسُوا) وَفِي (وَما كانُوا) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ كَنِسْيَانِهِمُ اللِّقَاءَ وَكَجَحْدِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت