(فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(107) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108)
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ) الْآيَةَ، أَيْ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَتَمَا أَوْ بَدَّلَا وَحَنَثَا فِي يَمِينِهِمَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ (فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما) فَرْعٌ عَنْ بُطْلَانِ شَهَادَتِهِمَا، فَحَذَفَ مَا يُعَبِّرُ عَنْ بُطْلَانِ شَهَادَتِهِمَا إِيجَازًا كَقَوْلِهِ: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا) [الْبَقَرَة: 60] أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ.
وَمَعْنَى عُثِرَ اطَّلَعَ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) ثَبَتَ أَنَّهُمَا ارْتَكَبَا مَا يَأْثَمَانِ بِهِ، فَقَدْ حُقَّ عَلَيْهِمَا الْإِثْمُ، أَيْ وَقَعَ عَلَيْهِمَا، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّأْكِيدِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِثْمِ هُوَ الَّذِي تَبَرَّءَا مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ) .
فَالْإِثْمُ هُوَ أَحَدُ هَذَيْنِ بِأَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُمَا اسْتَبْدَلَا بِمَا اسْتُؤْمِنَا عَلَيْهِ عِوَضًا لِأَنْفُسِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، أَوْ بِأَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُمَا كَتَمَا الشَّهَادَةَ، أَيْ بَعْضَهَا.
وَحَاصِلُ الْإِثْمِ أَنْ يَتَّضِحَ مَا يَقْدَحُ فِي صِدْقِهِمَا بِمُوجِبِ الثُّبُوتِ.
وَقَوْلُهُ (فَآخَرانِ) أَيْ رَجُلَانِ آخَرَانِ.
فَالْمَعْنَى فَاثْنَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا فِي إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ.
وَمَعْنَى يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، أَيْ يُعَوِّضَانِ تِلْكَ الشَّهَادَةَ.
ومِنَ فِي قَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ شَخْصَانِ آخَرَانِ يَكُونَانِ مِنَ الْجَمَاعَةِ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: (الْأَوْلَيانِ) تَثْنِيَةُ أَوْلَى، وَهُوَ الْأَجْدَرُ وَالْأَحَقُّ، أَيِ الْأَجْدَرَانِ بِقبُول قَوْلهمَا.
وَإِنَّمَا عُرِّفَ بِاللَّامِ لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ لِلْمُخَاطَبِ ذِهْنًا لِأَنَّ السَّامِعَ إِذَا سَمِعَ قَوْلَهُ: (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا تَرَقَّبَ أَنْ يَعْرِفَ مَنْ هُوَ الْأَوْلَى بِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ، فَقِيلَ لَهُ: آخَرَانِ هُمَا الْأَوْلَيَانِ بِهَا.
وَقَوْلُهُ (وَمَا اعْتَدَيْنا) تَوْكِيدٌ لِلْأَحَقِّيَّةِ، لِأَنَّ الْأَحَقِّيَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى نَفْعِهِمَا بِإِثْبَاتِ مَا كَتَمَهُ الشَّاهِدَانِ الْأَجْنَبِيَّانِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ لَكَانَتْ بَاطِلًا وَاعْتِدَاءً مِنْهُمَا عَلَى مَالِ مُبَلِّغِي الْوَصِيَّةِ.
وَالْمَعْنَى: وَمَا اعْتَدَيْنَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِي اتِّهَامِهِمَا بِإِخْفَاءِ بَعْضِ التَّرِكَةِ.
وَإِنَّمَا جَاءَتِ الْآيَةُ بِصِيغَةِ الِاثْنَيْنِ مُرَاعَاةً لِلْقَضِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا، وَهِيَ قَضِيَّةُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَإِنَّ وَرَثَةَ صَاحِبِ التَّرِكَةِ كَانَا اثْنَيْنِ هُمَا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، وَكِلَاهُمَا مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَهُمَا مَوْلَيَا بُدَيْلِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ السَّهْمِيِّ صَاحِبِ الْجَامِ.
وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: «ذَلِكَ أَدْنَى» إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْحُكْمِ مِنْ قَوْلِهِ (تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) .
وأَدْنى بِمَعْنَى أَقْرَبُ، وَالْقُرْبُ هُنَا مَجَازٌ فِي قُرْبِ الْعِلْمِ وَهُوَ الظَّنُّ، أَيْ أَقْوَى إِلَى الظَّنِّ بِالصِّدْقِ.
وَضَمِيرُ (يَأْتُوا) عَائِدٌ إِلَى «الشُّهَدَاءِ» وَهُمْ: الْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَالْآخَرَانِ اللَّذَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، أَيْ أَنْ يَأْتِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
فَجَمَعَ الضَّمِيرَ عَلَى إِرَادَةِ التَّوْزِيعِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ التَّوْثِيقِ وَالضَّبْطِ، وَمِنْ رَدِّ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْعُثُورِ عَلَى الرِّيبَةِ أَرْجَى إِلَى الظَّنِّ بِحُصُولِ الصِّدْقِ لِكَثْرَةِ مَا ضَبَطَ عَلَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِمَّا يَنْفِي الْغَفْلَةَ وَالتَّسَاهُلَ، بَلْهَ الزُّورَ وَالْجَوْرَ مَعَ تَوَقِّي سُوءِ السُّمْعَةِ.
وَمَعْنَى (أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ) أَنْ يُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ.
جُعِلَ أَدَاؤُهَا وَالْإِخْبَارُ بِهَا كَالْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ (عَلى وَجْهِها) أَيْ عَلَى سُنَّتِهَا وَمَا هُوَ مُقَوِّمُ تَمَامِهَا وَكَمَالِهَا، فَاسْمُ الْوَجْهِ فِي مِثْلِ هَذَا مُسْتَعَارٌ لِأَحْسَنِ مَا فِي الشَّيْءِ وَأَكْمَلِهِ تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الْإِنْسَانِ، إِذْ هُوَ الْعُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْمَرْءُ وَيَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَمَّا أُرِيدَ مِنْهُ مَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى،
وَشَاعَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلَامِهِمْ، قَالُوا: جَاءَ بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَعَلُوا الشَّيْءَ مَأْتِيًّا بِهِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ أُتِيَ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ وَجْهِهِ، أَيْ مِنْ كَمَالِ أَحْوَالِهِ.
فَحَرْفُ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّمَكُّنُ، مِثْلُ (أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [الْبَقَرَة: 5] .
وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَال من بِالشَّهادَةِ، وَصَارَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْوَجْهِ غَيْرُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ.
وَفِي الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْإِعْذَارِ فِي الشَّهَادَةِ بِالطَّعْنِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَا يَحْمِلُ شُهُودَ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّثَبُّتِ فِي مُطَابَقَةِ شَهَادَتِهِمْ، لِلْوَاقِعِ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ وَالْإِعْذَارَ يَكْشِفَانِ عَنِ الْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ (أَنْ يَأْتُوا) بِاعْتِبَارِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْمَجْرُورَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جُمْلَةَ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَفَادَتِ الْإِتْيَانَ بِهَا صَادِقَةً لَا نُقْصَانَ فِيهَا بِبَاعِثٍ مِنْ أَنْفُسِ الشُّهُودِ، وَلِذَلِكَ قَدَّرْنَاهُ بِمَعْنَى أَنْ يَعْلَمُوا كَيْفَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ.
فَأَفَادَتِ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا إِيجَادَ وَازِعٍ لِلشُّهُودِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَفَادَتِ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ وَازِعًا هُوَ تَوَقُّعُ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ.
وَمَعْنَى (أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ) أَنْ تَرْجِعَ أَيْمَانٌ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي بعد أَيْمَان الشهيدين.
فَالرَّدُّ هُنَا مَجَازٌ فِي الِانْتِقَالِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قَلَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَيُعَيَّرُوا بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَحَرْفُ (أَوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وَهُوَ تَقْسِيم يُفِيد تَفْصِيل مَا أجمله الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: (ذلِكَ أَدْنى) إِلَخْ ... وَجَمَعَ الْأَيْمَانَ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ حُكْمِ الْآيَةِ لِسَائِرِ قَضَايَا الْوَصَايَا الَّتِي مِنْ جِنْسِهَا، عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ التَّثْنِيَةِ كَثِيرًا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التَّحْرِيم: 4]
وَذَيَّلَ هَذَا الْحُكْمَ الْجَلِيلَ بِمَوْعِظَةِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ فَقَالَ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَاسْمَعُوا) أَمْرٌ بِالسَّمْعِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّاعَةِ مَجَازًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا فِي هَذِهِ السُّورَةِ) [7] .
وَقَوْلُهُ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) تَحْرِيضٌ عَلَى التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَتَحْذِيرٌ مِنْ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ هُدًى وَفِي الْإِعْرَاضِ فِسْقًا.
هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَاتِ تَوَخَّيْتُ فِيهِ أَوْضَحَ الْمَعَانِي وَأَوْفَقَهَا بِالشَّرِيعَةِ، وَأَطَلْتُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ مَا غَمُضَ مِنَ الْمَعَانِي تَحْتَ إِيجَازِهَا الْبَلِيغِ.