فهرس الكتاب

الصفحة 2243 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): الْآيَات 59 إِلَى 60]

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ(59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60)

ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فِيهِمْ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَعَازِرٌ، وَزَيْدٌ، وَخَالِدٌ، وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ، وَأَشْيَعُ، إِلَى النَّبِيءِ فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِمَنْ آمَنَ بِعِيسَى وَلَا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ وَمَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.

فَخَصَّ بِهَذِهِ الْمُجَادَلَةِ أَهْلَ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْهَضُ عَلَيْهِمْ حُجَّتُهَا، وَأُرِيدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصُ الْيَهُود كَمَا ينبئ بِهِ الْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ فِي قَوْلِهِ: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) الْآيَةَ.

وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُجَادَلَةُ لَهُمْ بِأَنَّ مَا يَنْقِمُونَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي دِينِهِمْ إِذَا تَأَمَّلُوا لَا يَجِدُونَ إِلَّا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ على محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَتَعَجُّبِيٌّ.

فَالْإِنْكَارُ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالتَّعَجُّبُ دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّ مَفْعُولَاتِ تَنْقِمُونَ كُلَّهَا مَحَامِدُ لَا يَحِقُّ نَقْمُهَا، أَيْ لَا تَجِدُونَ شَيْئًا تَنْقِمُونَهُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقِيقًا بِأَنْ يُنْقَمَ.

فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ رَضُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَنْقِمُونَهُ عَلَى مَنْ مَاثَلَهُمْ فِيهِ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ رَضِيَهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ لَا يُهِمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَدَعَا الرَّسُولُ إِلَيْهِ أَهْلَ الْكِتَابِ فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَمَا وَجْهُ النَّقْمِ مِنْهُ.

(وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) مَعْطُوفًا عَلَى (أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ وَيَكُونُ الْكَلَامُ تَهَكُّمًا، أَيْ تَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّنَا آمَنَّا كَإِيمَانِكُمْ وَصَدَّقْنَا رُسُلَكُمْ وَكُتُبَكُمْ، وَذَلِكَ نَقْمُهُ عَجِيبٌ وَأَنَّنَا آمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَذَلِكَ لَا يُهِمُّكُمْ.

وَتَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ وَنَحْنُ صَالِحُونَ، أَيْ هَذَا نَقْمُ حَسَدٍ، أَيْ وَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ.

فَظَهَرَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ فَصَارَ فِي الِاسْتِفْهَامِ إِنْكَارٌ فَتَعَجُّبٌ فَتَهَكُّمٌ، تَوَلَّدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكُلُّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ فِي مُجَازَاتِهِ أَوْ فِي مَعَانٍ كِنَائِيَّةٍ.

ثُمَّ اطَّرَدَ فِي التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالْعَجَبِ مِنْ أَفَنِ رَأْيِهِمْ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِمَسَاوِيهِمْ فَقَالَ: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) إِلَخْ.

وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ (مِنْ ذلِكَ) إِلَى الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) إِلَخْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَنْقُومٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ.

وَالتَّقْدِيرِ: وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْمَنْقُومِ أَنْ يَكُونَ شَرًّا بُنِيَ عَلَيْهِ التَّهَكُّمُ فِي قَوْلِهِ: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ) أَيْ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ شَرًّا.

وَالْمَثُوبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ، أَيْ رَجَعَ.

وَيَصِحُّ إِطْلَاقُهَا عَلَى الشَّيْءِ النَّفِيسِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ كُلِّ مَا يَثُوبُ بِهِ الْمُعْطَى.

فَجَعْلُهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَمْيِيزًا لِاسْمِ الزِّيَادَةِ فِي الشَّرِّ تهكّم لأنّ اللّغة وَالْغَضَبَ وَالْمَسْخَ لَيْسَتْ مَثُوبَاتٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا

وَقَوْلِ عَمْرو بن معد يكرب:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

قَوْلُهُ: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ)

وَالْعُدُولُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ أَوِ الْيَهُودُ، إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْمَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْنِيِّ مِنَ الصِّلَةِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَسْلَافًا مِنْهُمْ وَقَعَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ وَالْغَضَبُ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَدَلَائِلُهُ ثَابِتَةٌ فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ أَنْبِيَائِهِمْ، فَالْمَوْصُولُ كِنَايَةٌ عَنْهُمْ.

وَأَمَّا كَوْنُهُمْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ فَهُوَ إِذْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَهْلَ تَوْحِيدٍ فَمِنْ ذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْعِجْلَ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا تَعْيِيرُ الْيَهُودِ الْمُجَادِلِينَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَسَاوِي أَسْلَافِهِمْ إِبْكَاتًا لَهُمْ عَنِ التَّطَاوُلِ.

عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ شَنْشَنَتَهُمْ أَزْمَانَ قيام الرُّسُل والنبيئين بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَهُمْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ أَسْوَأُ حَالًا وَأَجْدَرُ بِكَوْنِهِمْ شَرًّا، فَيَكُونُ الْكَلَامُ مِنْ ذَمِّ الْقَبِيلِ كُلِّهِ.

عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مُوجِبَاتِ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمَسْخِ قَدِ ارْتَكَبَتْهَا الْأَخْلَافُ، عَلَى أَنَّهُمْ شَتَمُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا زَعَمُوا أَنَّهُ دِينُهُمْ فَيَحِقُّ شَتْمُهُمْ بِمَا نعتقده فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت