فهرس الكتاب

الصفحة 1416 من 4110

[سُورَة آل عمرَان(3): الْآيَات 65 إِلَى 66]

(يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(65) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)

وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي تَأْلِيفِ الْمُحَاجَّةِ يَنْتَظِمُ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: (وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) وَقَوْلِهِ: (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) وَقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فَيُبْطِلُ بِذَلِكَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُثْبِتُ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُمْ فِي الدِّينِ مُنْحَصِرٌ فِيهِمَا، وَهُمَا نَزَلَا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ فَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَا عَيْنَ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَوْلُهُ: (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الْإِسْلَامَ زَادَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ انْتِسَابِ الْإِسْلَامِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَانْتِسَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ إِلَيْهِ، فَلَا يَقُولُونَ وَكَيْفَ يُدَّعَى أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مِنْ بَعْدِهِ.

وَقَوْلُهُ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْبَأَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالْإِسْلَامِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَسْبِقْ أَنِ امْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَأَنْبَأَ بِذَلِكَ أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْتَحِلُوا هَذِهِ الْمَزِيَّةَ، وَاسْتَيْقَظْتُمْ لِذَلِكَ حَسَدًا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَنَهَضَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَعْذِرَةٌ فِي أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ مَجِيءَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ لَنَا وَلَكُمْ فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَوْلَا انْتِظَامُ الدَّلِيلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَكَانَ مُشْتَرَكَ الْإِلْزَامِ.

وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: (فَلِمَ تُحَاجُّونَ) مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى الْغَلَطِ.

وَ (هَا) من قَوْله: (هَا أَنْتُمْ) تَنْبِيهٌ، وَأَصْلُ الْكَلَامِ أَنْتُمْ حَاجَجْتُمْ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ مِثْلُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي مَحل التَّعَجُّب والنكير وَالتَّنْبِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ غَالِبًا بِاسْمِ إِشَارَةٍ بعده فَيُقَال هَا أَنا ذَا، وَهَا أَنْتُم أُولَاءِ أَوْ هَؤُلَاءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت