(وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ(145)
والألواح جَمْعُ لَوْحٍ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ قِطْعَةٌ مُرَبَّعَةٌ مِنَ الْخَشَبِ، وَكَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَى الْأَلْوَاحِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَلْوَاحٌ مَعْهُودَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ سِيقَتْ إِلَيْهِمْ تَفَاصِيلُ الْقِصَّةِ (وَإِنْ كَانَ سَوْقُ مُجْمَلِ الْقِصَّةِ لِتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَصَلَ بِالْمُكَذِّبِينَ بِمُوسَى) .
وَتَسْمِيَةُ الْأَلْوَاحِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ مُوسَى أَلْوَاحًا مَجَازٌ بِالصُّورَةِ لِأَنَّ الْأَلْوَاحَ الَّتِي أُعْطِيَهَا مُوسَى كَانَتْ مِنْ حِجَارَةٍ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ، فَتَسْمِيَتُهَا الْأَلْوَاحَ لِأَنَّهَا عَلَى صُورَةِ الْأَلْوَاحِ.
وَالَّذِي بِالْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالثَلَاثِينَ أَنَّ اللَّوْحَيْنِ كُتِبَتْ فِيهِمَا الْوَصَايَا الْعَشْرُ الَّتِي ابْتَدَأَتْ بِهَا شَرِيعَةُ مُوسَى، وَكَانَا لَوْحَيْنِ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَإِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَيْهَا هُنَا: إِمَّا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُثَنَّى بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ عَلَى كِلَا وَجْهَيْهِمَا، كَمَا يَقْتَضِيهِ الْإِصْحَاحُ الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ، فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ أَرْبَعَةِ أَلْوَاحٍ.
وَأُسْنِدَتِ الْكِتَابَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً نَقْشًا فِي الْحَجَرِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ إِنْسَانٍ بَلْ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ، كَمَا أُسْنِدَ الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ فِي قَوْله: (وَبِكَلامِي) [الْأَعْرَاف: 144] .
وَ (مِنْ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) تبعيضية.
وَالَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ هُوَ أَصُولُ كُلِّيَّاتٍ هَامَّةٍ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ بِهَا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ مَا فِي الْإِصْحَاحِ (20) مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ وَنَصُّهَا: أَنا الرب إلهك الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، لَا يكن لَك ءالهة أُخْرَى أَمَامِي، لَا تَصْنَعْ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلَا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ، مِنْ فَوْقَ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ تَحْتَ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ لِأَنِّي أَنا الرب إلاهك غَيُورٌ افْتَقِدْ ذُنُوبَ الْآبَاءِ فِي الْأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ من مبغضيّ واصنع إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ، لَا تَنْطِقْ باسم الرب إلاهك بَاطِلًا لِأَنَّ الرب لَا يبرئ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلًا، اذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سبت للرب إلاهك لَا تَصْنَعْ عَمَلًا مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأُخْتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخَلَ أَبْوَابِكَ لِأَنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَا وَالْأَرْضَ وَالْبَحْرَ، وَكُلَّ مَا فِيهَا وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِذَلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يعطيك الرب إلاهك، لَا تَقْتُلْ، لَا تَزْنِ لَا تَسْرِقْ، لَا تَشْهَدْ، عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ، لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، لَا تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلَا عَبْدَهُ وَلَا أَمَتَهُ، وَلَا ثَوْرَهُ وَلَا حِمَارَهُ وَلَا شَيْئًا مِمَّا لقريبك اهـ، وَاشْتُهِرَتْ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْوَصَايَا الْعَشْرِ، وَبِالْكَلِمَاتِ الْعشْر أَي لجمل الْعَشْرِ.
وَقَدْ فُصِلَتْ (فِي) من الْإِصْحَاحِ الْعِشْرِينَ إِلَى نِهَايَةِ الْحَادِي وَالثَلَاثِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْوَصَايَا الْعَشْرُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى فِي جَبَلِ سِينَا
وَوَقَعَ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالثَلَاثِينَ أَنَّ الْأَلْوَاحَ لَمْ تُكْتَبْ فِيهَا إِلَّا الْكَلِمَاتُ الْعَشْرُ، الَّتِي بِالْفِقْرَاتِ السَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ هُنَا مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا يَقْتَضِي الِاعْتِمَادَ عَلَى مَا فِي الْأَصَاحِيحِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ.
وَالْمَوْعِظَةُ اسْمُ مَصْدَرِ الْوَعْظِ وَهُوَ نُصْحٌ بِإِرْشَادٍ مَشُوبٍ بِتَحْذِيرٍ مِنْ لَحَاقِ ضُرٍّ فِي الْعَاقِبَةِ أَوْ بِتَحْرِيضٍ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ، مَغْفُولٍ عَنْهُ.
وَالتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ لِلْمُجْمَلَاتِ وَلَعَلَّ الْمَوْعِظَةَ هِيَ الْكَلِمَاتُ الْعَشْرُ وَالتَّفْصِيلُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ فِي الْإِصْحَاحَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَالْأَخْذُ: تَنَاوُلُ الشَّيْءِ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي التَّلَقِّي وَالْحِفْظِ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: (بِقُوَّةٍ) لِلْمُصَاحَبَةِ.
وَإِنَّمَا اقْتُصِرَ عَلَى أَمْرِ الرَّسُولِ بِهَذَا الْأَخْذِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَضْرَتِهِ وَعِنْدَ مَغِيبِهِ، وَهُوَ وَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأُمَّةِ.
فَقَوْلُهُ: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) تَعْرِيجٌ عَلَى مَا هُوَ حَظُّ عُمُومِ الْأُمَّةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِهَا، فَهَذَا الْأَخْذُ مَجَازٌ فِي التَّمَسُّكِ وَالْعَمَلِ وَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالْبَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى اللُّصُوقِ، يُقَالُ: أَخَذَ بِكَذَا إِذَا تَمَسَّكَ بِهِ وَقَبَضَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ) [الْأَعْرَاف: 150] وَقَوْلِهِ: (تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) [طه: 94] .
وَلَمْ يُعَدَّ فِعْلُ الْأَخْذِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَخُذْها) لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى التَّلَقِّي وَالْحِفْظِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنَ الْأَخْذِ بِمَعْنَى التَّمَسُّكِ وَالْعَمَلِ، فَأَنَّ الْأَوَّلَ حَظُّ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَالثَّانِي حَظُّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ.
وَجُزِمَ يَأْخُذُوا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: (وَأْمُرْ) تَحْقِيقًا لحُصُول امتثالهم عِنْد مَا يَأْمُرُهُمْ.
و (بِأَحْسَنِها) وَصْفٌ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ مَقْصُودٌ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحُسْنِ، فَإِضَافَتُهَا إِلَى ضَمِيرِ الْأَلْوَاحِ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: بِالْأَحْسَنِ الَّذِي هُوَ لَهَا وَهُوَ جَمِيعُ مَا فِيهَا، لِظُهُورِ أَنَّ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرَائِعِ لَيْسَ بَيْنَهُ تَفَاضُلٌ بَيْنَ أَحْسَنَ وَدُونَ الْأَحْسَنِ، بَلْ كُلُّهُ مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ فِيمَا عُيِّنَ لَهُ، وَلِظُهُورِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخْذِ بِبَعْضِ الشَّرِيعَةِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُفَصَّلٌ فِيهَا مَرَاتِبُ الْأَعْمَالِ، فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ كَانَ عِنْدَهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، كَالْمَنْدُوبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُبَاحِ، وَكَالرُّخْصَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَزِيمَةِ، كَانَ التَّرْغِيبُ فِي الْعَمَلِ بِالْأَفْضَلِ مَذْكُورًا فِي الشَّرِيعَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْذِ بِهَا، فَقَرَائِنُ سَلْبِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ قَائِمَةٌ وَاضِحَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالتَّعَزُّبِ إِلَى التَّنْظِيرِ بِتَرَاكِيبَ مَصْنُوعَةٍ أَوْ نَادِرَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ كَلَامِ الْفُصَحَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) فِي (سُورَةِ الزُّمَرِ) [55] .
وَالْمَعْنَى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِمَا فِيهَا لحسنها.
(سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ)
وَخُوطِبَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ بِاعْتِبَارِ جَمَاعَةِ قَوْمِهِ فَالْخِطَابُ شَامِلٌ لِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ.
وَالْإِرَاءَةُ مَنْ رَأَى الْبَصَرِيَّةِ لِأَنَّهَا عُدِّيَتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَقَطْ.
وأوثر فعل (سَأُرِيكُمْ) دُونَ نَحْوِ: سَأُدْخِلُكُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ مَنَعَ مُعْظَمَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُوسَى مِنْ دُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ لَمَّا امْتَنَعُوا مِنْ قِتَالِ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) فِي (سُورَةِ الْمَائِدَةِ) [26] .
وَجَاءَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى: «وَأَنْتَ لَا تَدْخُلُ إِلَى هُنَاكَ»
وَفِي الْإِصْحَاحِ (34) «وَصَعِدَ مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ (نَبْو) فَأَرَاهُ اللَّهُ جَمِيعَ الْأَرْضِ» وَقَالَ لَهُ: «هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي أَقْسَمْتُ لِإِبْرَاهِيمَ قَائِلًا لِنَسْلِكَ أُعْطِيهَا قَدْ أَرَيْتُكَ إِيَّاهَا بِعَيْنَيْكَ وَلَكِنَّكَ لَا تَعْبُرُ» .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (سَأُرِيكُمْ) خِطَابًا لِقَوْمِ مُوسَى، فَيَكُونُ فِعْلُ أُرِيكُمْ كِنَايَةً عَنِ الْحُلُولِ فِي دَارِ الْفَاسِقِينَ، وَالْحُلُولُ فِي دِيَارِ قَوْمٍ لَا يكون إلّا الْفَتْح وَالْغَلَبَةِ، فَالْإِرَاءَةُ رَمْزٌ إِلَى الْوَعْدِ بِفَتْحِ بِلَادِ الْفَاسِقِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاسِقِينَ الْمُشْرِكُونَ.
رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ دَارَ الْفَاسِقِينَ هِيَ دَارُ الْعَمَالِقَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَهِيَ الشَّامُ، فَمِنَ الْخَطَأِ تَفْسِيرُ مَنْ فَسَّرُوا دَارَ الْفَاسِقِينَ بِأَنَّهَا أَرْضُ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا بِهَا وَخَرَجُوا مِنْهَا وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا، وَمِنَ الْبَعِيدِ تَفْسِيرُ دَارِ الْفَاسِقِينَ بِجِهَتِهِمْ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِدَارِ الْفَاسِقِينَ دِيَارُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِثْلَ دِيَارِ ثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِكُفْرِهِمْ، أَيْ سَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ فَتَرَوْنَ دِيَارَهُمْ فَتَتَّعِظُونَ بِسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ لِفِسْقِهِمْ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَمُرُّوا مَعَ مُوسَى عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ.
وَالْعُدُولُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْأُمَمِ بِأَسْمَائِهِمْ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِوَصْفِ الْفَاسِقِينَ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى تَسَبُّبِ الْوَصْفِ فِي الْمَصِيرِ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَجْمَعُ وَأَوْجَزُ، وَاخْتِيَارُ وَصْفِ (الْفَاسِقِينَ) دُونَ الْمُشْرِكِينَ وَالظَّالِمِينَ الشَّائِعِ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الشِّرْكِ فِي الْقُرْآنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ عَاقِبَتَهُمُ السُّوأَى تَسَبَّبَتْ عَلَى الشِّرْكِ وَفَاسِدِ الْأَفْعَال مَعًا.