فهرس الكتاب

الصفحة 4105 من 4110

[سُورَة يُونُس(10): الْآيَات 76 إِلَى 77]

(فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ(76) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)

وَالْحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلَى مَا قَابَلَ الْبَاطِلَ وَهُوَ الْعَدْلُ الْصَالِحُ، وَيُطْلَقُ وَصْفًا عَلَى الثَّابِتِ الَّذِي لَا رِيبَةَ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ: أَنْتَ الصَّدِيقُ الْحَقُّ.

وَيُلَازِمُ الْإفِرْادَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.

وَاعْتِذَارُهُمْ عَنْ ظُهُورِ الْآيَاتِ بِأَنَّهَا سِحْرٌ هُوَ اعْتِذَارُ الْمَغْلُوبِ الْعَدِيمِ الْحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الْحُجَّةُ وَبَهَرَهُ سُلْطَانُ الْحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الْمَقْبُولَةِ فَهُوَ يُهْرَعُ إِلَى انْتِحَالِ مُعَارَضَاتٍ بِمَعَاذِيرَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ وَلَا تَثْبُتُ فِي مَحَكِّ النَّقْدِ.

«وَلَا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِنْ بَارِدِ الْعُذْرِ»

وَإِذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْمَاءِ مِنْ ذَوِي الْأَوْهَامِ أَنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ فِي صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعَى هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِ مُوسَى هُوَ سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الْبَاطِلُ فِي صُورَةِ الْحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.

وَمَعْنَى ادِّعَاءِ الْحَقِّ سِحْرًا أَنَّ دَلَائِلَهُ مِنْ قَبِيلِ التَّخَيُّلَاتِ وَالتَّمْوِيهَاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هُوَ مَدْلُولُ السِّحْرِ وَهُوَ إِنْشَاءُ تَخَيُّلٍ بَاطِلٍ فِي نُفُوسِ الْمَسْحُورِينَ، وَقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعَارُهُمْ وَهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلَى أَنْ أَبْرَزُوا دَعْوَاهُمْ فِي صُورَةِ الْكَلَامِ الْمُتَثَبِّتِ صَاحِبُهُ فَأَكَّدُوا الْكَلَامَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ وَلَامُ الِابْتِدَاءِ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ، وَزَادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأَنْ وَصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أَيْ شَدِيدَ الْوُضُوحِ.

وَجُمْلَةُ: (قالَ مُوسى) مُجَاوِبَةٌ مِنْهُ عَنْ كَلَامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْنَاهَا فِي حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ.

تَوَلَّى مُوسَى وَحْدَهُ دُونَ هَارُونَ مُجَادَلَتَهُمْ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلدَّعْوَةِ أَصَالَةً، وَلِأَنَّ الْمُعْجِزَاتِ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ.

وَاسْتِفْهَامُ (أَتَقُولُونَ) إِنْكَارِيٌّ.

وَاللَّامُ فِي (لِلْحَقِّ) لَامُ التَّعْلِيلِ.

وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا لَامَ الْبَيَانِ.

وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا لَامَ الْمُجَاوَزَةِ بِمَعْنَى (عَنْ) .

وَجُمْلَةُ: (أَسِحْرٌ هَذَا) مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ، أَنْكَرَ مُوسَى عَلَيْهِمْ وَصْفَهُمُ الْآيَاتِ الْحَقَّ بِأَنَّهَا سِحْرٌ.

وَالْإِشَارَةُ تُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِجَهْلِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِهِمْ، بِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى تِلْكَ الْآيَاتِ كَافِيَةٌ فِي ظُهُورِ حَقِيقَتِهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ فِي شَيْءٍ.

وَلِذَلِكَ كَانَ مَفْعُولُ (أَتَقُولُونَ) مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) فَالتَّقْدِيرُ: أَتَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ.

وَلَمَّا نَفَى مُوسَى عَنْ آيَاتِ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ سِحْرًا ارْتَقَى فَأَبَانَ لَهُمْ فَسَادَ السِّحْرِ وَسُوءَ عَاقِبَةِ مُعَالِجِيهِ تَحْقِيرًا لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنَوِّهُونَ بِشَأْنِ السِّحْرِ.

فَجُمْلَةُ: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: (أَسِحْرٌ هَذَا) .

فَالْمَعْنَى: هَذَا لَيْسَ بِسِحْرٍ وَإِنَّمَا أَعْلَمُ أَنَّ السَّاحِرَ لَا يُفْلِحُ، أَيْ لَوْ كَانَ سَاحِرًا لَمَّا شَنَّعَ حَالَ السَّاحِرِينَ، إِذْ صَاحَبُ الصِّنَاعَةِ لَا يُحَقِّرُ صِنَاعَتَهُ لِأَنَّهُ لَوْ رَآهَا مُحَقَّرَةً لما التزمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت