فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 49]

(وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ(49)

وَالْأَهْلُ وَالْآلُ يُرَادُ بِهِ الْأَقَارِبُ وَالْعَشِيرَةُ وَالْمَوَالِي وَخَاصَّةً الْإِنْسَانُ وَأَتْبَاعُهُ.

وَالْمُرَادُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَزَعَتُهُ وَوُكَلَاؤُهُ، وَيَخْتَصُّ الْآلُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذِي شَأْنٍ وَشَرَفٍ دُنْيَوِيٍّ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَلَا يُقَالُ آلُ الْجَانِي وَلَا آلُ مَكَّةَ، وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي الدُّنْيَا عَظِيمًا وَكَانَ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقًا بِنَجَاةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مِنْ عَظِيمٍ فِي الدُّنْيَا أُطْلِقَ عَلَى أَتْبَاعِهِ آلٌ فَلَا تَوَقُّفَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُحْتَاجَ لِتَأْوِيلِهِ بِقَصْدِ التَّهَكُّمِ كَمَّا أُوِّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) [غَافِر: 46] لِأَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةٌ لِكَلَامٍ يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ مُحَقَّرٌ، هَلَكَ عَنْهُ سُلْطَانُهُ.

فَإِنْ قُلْتَ: إِنْ كَلِمَةَ أَهْلٍ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى قَرَابَةِ ذِي الشَّرَفِ لِأَنَّهَا الِاسْم الْمُطلق فَلِمَاذَا لَمْ يُؤْتَ بِهَا هُنَا حَتَّى لَا يُطْلَقَ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ مَا فِيهِ تَنْوِيهٌ بِهِمْ؟ قُلْتُ: خُصُوصِيَّةُ لَفْظِ آلٍ هَنَا أَنَّ الْمَقَامَ لِتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ وَتَوْفِيرِ حَقِّ الشُّكْر وَالنعْمَة تَعْظِيم بِمَا يحف بِهَا فَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَتْ نِعْمَةً مُطْلَقًا إِلَّا أَنَّ كَوْنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ ذِي قُدْرَةٍ وَمَكَانَةٍ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَنْفَلِتُ مِنْهُ أَحَدٌ.

وَلَا قَرَارَ عَلَى زَأْرٍ مِنَ الْأَسَدِ وَإِنَّمَا جُعِلَتِ النَّجَاةُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَلَمْ تُجْعَلْ مِنْ فِرْعَوْنَ مَعَ أَنَّهُ الْآمِرُ بِتَعْذِيبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَعْلِيقًا لِلْفِعْلِ بِمَنْ هُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَقِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْوَزَعَةَ وَالْمُكَلَّفِينَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَتَجَاوَزُونَ الْحَدَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْإِعْنَاتِ عَلَى عَادَةِ الْمُنَفِّذِينَ فَإِنَّهُمْ أَقَلُّ رَحْمَةً وَأَضْيَقُ نُفُوسًا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ كَمَا قَالَ الرَّاعِي يُخَاطِبُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:

إِنَّ الَّذِينَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا ... لَمْ يَفْعَلُوا مِمَّا أَمَرْتَ فَتِيلَا

(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ)

وَحَقِيقَةُ سَامَ عَرَضَ السَّوْمَ أَيِ الثَّمَنَ.

وَسُوء الْعَذَابِ أَشَدَّهُ وَأَفْظَعَهُ وَهُوَ عَذَابُ التَّسْخِيرِ وَالْإِرْهَاقِ وَتَسْلِيطِ الْعِقَابِ الشَّدِيدِ بِتَذْبِيحِ الْأَبْنَاءِ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَالْمَعْنَى يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَ آبَائِكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَ قَوْمِكُمُ الْأَوَّلِينَ.

وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَبْنَاءِ قِيلَ أَطْفَالُ الْيَهُودِ وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الرِّجَالُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ وَأَوْفَقُ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ إِذِ الْمَظْنُونُ أَنَّ الْمَحْقَ وَالِاسْتِئْصَالَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْكِبَارُ، وَلِأَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَكُونُ الْآيَةُ سَكَتَتْ عَنِ الرِّجَالِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُذَبِّحُونَ الصِّغَارَ قَطْعًا لِلنَّسْلِ وَيَسْبُونَ الْأُمَّهَاتِ اسْتِعْبَادًا لَهُنَّ وَيُبْقُونَ الرِّجَالَ لِلْخِدْمَةِ حَتَّى يَنْقَرِضُوا عَلَى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.

وَإِبْقَاءُ الرِّجَالِ فِي مِثْلِ هَاتِهِ الْحَالَةِ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِهِمْ.

أَوْ لَعَلَّ تَقْصِيرًا ظَهَرَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُرْضِعَاتِ الْأَطْفَالِ وَمُرَبِّيَاتِ الصِّغَارِ وَكَانَ سَببه شغلهن بشئون أَبْنَائِهِنَّ فَكَانَ الْمُسْتَعْبِدُونَ لَهُمْ إِذَا غَضِبُوا مِنْ ذَلِكَ قَتَلُوا الطِّفْلَ.

وَالِاسْتِحْيَاءُ اسْتِفْعَالٌ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ لِلْحَيَاةِ أَيْ يُبْقُونَهُنَّ أَحْيَاءً أَوْ يَطْلُبُونَ حَيَاتَهُنَّ.

وَوَجْهُ ذِكْرِهِ هُنَا فِي مَعْرِضِ التَّذْكِيرِ بِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْيَاءَ لِلْإِنَاثِ كَانَ الْمَقْصِدُ مِنْهُ خَبِيثًا وَهُوَ أَنْ يَعْتَدُوا عَلَى أَعْرَاضِهِنَّ وَلَا يَجِدْنَ بُدًّا مِنَ الْإِجَابَةِ بِحُكْمِ الْأَسْرِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) كِنَايَةً عَنِ اسْتِحْيَاءٍ خَاصٍّ وَلِذَلِكَ أُدْخِلَ فِي الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِحْيَاءِ ظَاهِرَهُ لَمَا كَانَ وَجْهٌ لِعَطْفِهِ عَلَى تِلْكَ الْمُصِيبَةِ.

وَقِيلَ إِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ الْحَيَاءِ وَهُوَ الْفَرْجُ أَيْ يُفَتِّشُونَ النِّسَاءَ فِي أَرْحَامِهِنَّ لِيَعْرِفُوا هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَالَ إِنَّهُ كِنَايَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت