(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ(108)
وَالسَّبُّ: كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيرِ أَحَدٍ أَوْ نِسْبَتِهِ إِلَى نَقِيصَةٍ أَوْ مَعَرَّةٍ، بِالْبَاطِلِ أَوْ بِالْحَقِّ، وَهُوَ مُرَادِفُ الشَّتْمِ.
وَلَيْسَ مِنَ السَّبِّ النِّسْبَةُ إِلَى خَطَأٍ فِي الرَّأْيِ أَوِ الْعَمَلِ، وَلَا النِّسْبَةُ إِلَى ضَلَالٍ فِي الدِّينِ إِنْ كَانَ صَدَرَ مِنْ مُخَالِفٍ فِي الدِّينِ.
وَالْمُخَاطَبُ بِهَذَا النَّهْيِ الْمُسْلِمُونَ لَا الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ فَحَّاشًا وَلَا سَبَّابًا لِأَنَّ خُلُقَهُ الْعَظِيمَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ بِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ تَرْكَهُ مِنْ وَحْيِهِ الَّذِي يُنْزِلُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لِغَيْرَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ رُبَّمَا تَجَاوَزُوا الْحَدَّ فَفَرَطَتْ مِنْهُمْ فُرُطَاتٌ سَبُّوا فِيهَا أَصْنَامَ الْمُشْرِكِينَ.
رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَوْثَانَ الْكُفَّارِ فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ» .
وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَوْفَقُهُ بِنَظْمِ الْآيَةِ.
وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْنَامِهِمْ هُوَ أَنَّ السَّبَّ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الدَّعْوَةِ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ وَإِظْهَارِ اسْتِحَالَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَصْنَامُ شُرَكَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الْحَقُّ عَنِ الْبَاطِلِ، وَيَنْهَضُ بِهِ الْمُحِقُّ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ الْمُبْطِلُ، فَأَمَّا السَّبُّ فَإِنَّهُ مَقْدُورٌ لِلْمُحِقِّ وَلِلْمُبْطِلِ فَيَظْهَرُ بِمَظْهَرِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا.
وَرُبَّمَا اسْتَطَاعَ الْمُبْطِلُ بِوَقَاحَتِهِ وَفُحْشِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ الْمُحِقُّ، فَيَلُوحُ لِلنَّاسِ أَنَّهُ تَغَلَّبَ عَلَى الْمُحِقِّ.
عَلَى أَنَّ سَبَّ آلِهَتِهِمْ لَمَّا كَانَ يَحْمِي غَيْظَهُمْ وَيَزِيدُ تَصَلُّبَهُمْ قَدْ عَادَ مُنَافِيًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنَ الدَّعْوَةِ، فَقَدْ قَالَ لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ، وَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا» ، فَصَارَ السَّبُّ عائقا من الْمَقْصُودِ مِنَ الْبِعْثَةِ، فَتَمَحَّضَ هَذَا السَّبُّ لِلْمَفْسَدَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَشُوبًا بِمَصْلَحَةٍ.
وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ إِذا خيف إفضاؤه إِلَى مَفْسَدَةٍ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرِ مَصْلَحَةٌ بِالذَّاتِ وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ بِالْعَرْضِ.
وَذَلِكَ مَجَالٌ تَتَرَدَّدُ فِيهِ أَنْظَارُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ بِحَسَبِ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَتَحَقُّقًا وَاحْتِمَالًا.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ كُلِّهَا.
وَحُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: حُكْمُهَا بَاقٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ فِي مَنَعَةٍ وَخِيفَ أَنَّهُ إِنْ سَبَّ الْمُسْلِمُونَ أَصْنَامَهُ أَوْ أُمُورَ شَرِيعَتِهِ أَنْ يَسُبَّ هُوَ الْإِسْلَامَ أَوِ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصّلاة والسّلام - أَو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحِلَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسُبَّ صُلْبَانَهُمْ وَلَا كَنَائِسَهُمْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ اهـ.
أَيْ عَلَى زِيَادَةِ الْكُفْرِ.
وَلَيْسَ مِنَ السَّبِّ إِبْطَالُ مَا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ مِنْ عَقَائِدِهِمْ فِي مَقَامِ الْمُجَادَلَةِ وَلَكِنَّ السَّبَّ أَنْ نُبَاشِرَهُمْ فِي غَيْرِ مُقَامِ الْمُنَاظَرَةِ بِذَلِكَ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سبّ النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ إِنْ صَدَرَ مِنْهُمْ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ كُفْرِهِمْ فَلَا يُعَدُّ سَبًّا وَإِنْ تَجَاوَزُوا ذَلِكَ عُدَّ سَبًّا، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: «مَا بِهِ كُفْرٌ وَغَيْرُ مَا بِهِ كُفْرٍ» .
وَقَدِ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِمَسْأَلَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: «مَنَعَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا جَائِزًا يُؤَدِّي إِلَى مَحْظُورٍ وَلِأَجْلٍ هَذَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ يُؤَوَّلُ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَحْظُورٍ» اهـ.
وَفَسَّرَ الْمَازِرِيُّ فِي بَابِ بُيُوعِ الْآجَالِ مِنْ «شَرْحِهِ لِلتَّلْقِينِ» سَدَّ الذَّرِيعَةِ بِأَنَّهُ مَنْعُ مَا يَجُوزُ لِئَلَّا يُتَطَرَّقَ بِهِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ اهـ.
وَالْمُرَادُ: سَدُّ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ، كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ فِي «تَنْقِيحِ الْفُصُولِ» وَفِي «الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْخَمْسِينَ» فَقَالَ: الذَّرِيعَةُ: الْوَسِيلَةُ إِلَى الشَّيْءِ.
وَمَعْنَى سَدِّ الذَّرَائِعِ حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ.
وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الذَّرَائِعَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَئِذٍ.
وَثَانِيهَا: مُلْغًى إِجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ فَإِنَّهَا لَا تُمْنَعُ لِخَشْيَةِ الْخَمْرِ، وَكَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَا.
وَثَالِثُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الذَّرِيعَةَ فِيهَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ اهـ.
وَعَنَى بِالْمُخَالِفِ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَنْدَرِجُ تَحْتَ قَاعِدَةِ الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ شُعْبَةٌ مِنْ قَاعِدَةِ إِعْطَاءِ الْوَسِيلَةِ حُكْمَ الْمَقْصِدِ خَاصَّةً بِوَسَائِلِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ مَعْنَى سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي حَكَى الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اعْتِبَارِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِيهِ.
وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ عُنْوَانٌ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلَا تَعَرَّضُوا لَهَا بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْغَزَالِيُّ فِي «الْمُسْتَصْفَى» فِي عِدَادِ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ فِي خَاتِمَةِ الْقُطْبِ الثَّانِي فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ.
وَوَصْفُ سَبِّهِمْ بِأَنَّهُ عَدْوٌ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ سَبَّ الْمُسْلِمِينَ أَصْنَامَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ مِنَ الِاعْتِدَاءِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ السَّبَّ عَدْوًا سَوَاءً كَانَ مُرَادًا بِهِ اللَّهُ أَمْ كَانَ مُرَادًا بِهِ مَنْ يَأْمر النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا جَاءَ بِهِ لِأَنَّ الَّذِي أَمر النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا جَاءَ بِهِ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اللَّهُ تَعَالَى فَصَادَفُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى جَلَالِهِ.
وَقَوْلُهُ: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَيْ عَنْ جَهَالَةٍ، فَهُمْ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ لَا يَزَعُهُمْ وَازِعٌ عَنْ سَبِّهِ، وَيَسُبُّونَهُ غَيْرَ عَالِمِينِ بِأَنَّهُمْ يَسُبُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ يَسُبُّونَ مَنْ أَمر محمّدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا جَاءَ بِهِ فَيُصَادِفُ سَبُّهُمْ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) مَعْنَاهُ كَتَزْيِينِنَا لِهَؤُلَاءِ سُوءَ عَمَلِهِمْ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ.
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَعْرِيضٌ بِالتَّوَعُّدِ بِأَنْ سَيَحُلُّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنَ الْعَذَابِ مِثْلُ مَا حَلَّ بِأُولَئِكَ فِي الدُّنْيَا.
وَحَقِيقَةُ تَزْيِينِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ بِعُقُولٍ يَحْسُنُ لَدَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) [الْأَنْعَام: 108] .
وَذَلِكَ هُوَ الْقَانُونُ فِي نَظَائِرِهِ.
وَالْعُدُولُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِلَى لَفْظِ (رَبِّهِمْ) لِقَصْدِ تَهْوِيلِ الْوَعِيدِ وَتَعْلِيلِ اسْتِحْقَاقِهِ بِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى مَالِكِهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ فَكَفَرُوا نِعَمَهُ وَأَشْرَكُوا بِهِ فَكَانُوا كَالْعَبِيدِ الْآبِقِينَ يَطُوفُونَ مَا يَطُوفُونَ ثُمَّ يَقَعُونَ فِي يَدِ مَالِكِهِمْ.