(وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(139)
وَأُعِيدَ فِعْلُ: (قالُوا) لِاخْتِلَافِ غَرَضِ الْمَقُولِ.
وَالْإِشَارَة إِلَى أَنْعَامٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَهُمْ بِصِفَاتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ إِلَى الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ.
وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ دِينِهِمْ فِي أَجِنَّةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي حَجَرُوهَا أَوْ حَرَّمُوا ظُهُورَهَا، فَكَانُوا يَقُولُونَ فِي أَجِنَّةِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ: إِذَا خَرَجَتْ أَحْيَاءً يَحِلُّ أَكْلُهَا لِلذُّكُورِ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِذَا خَرَجَتْ مَيْتَةً حَلَّ أَكْلُهَا لِلذُّكُورِ وَالنِّسَاءِ، فَالْمُرَادُ بِمَا فِي الْبُطُون الأجنة لَا مَحَالَةَ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً) وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي أَلْبَانِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ: يَشْرَبُهَا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَظَنَّ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ أَلْبَانُهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ وَلَكِنَّ مَحْمَلَ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَا فِي الْبُطُونِ يَشْمَلُ الْأَلْبَانَ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْأَجِنَّةِ وَنَاشِئَةٌ عَنْ وِلَادَتِهَا.
وَالْخَالِصَةُ: السَّائِغَةُ، أَيِ الْمُبَاحَةُ، أَيْ لَا شَائِبَةَ حَرَجٍ فِيهَا، أَيْ فِي أَكْلِهَا، وَيُقَابِلُهُ قَوْلُهُ: (وَمُحَرَّمٌ) .
وَتَأْنِيثُ (خالِصَةٌ) لأنّ المُرَاد بِمَا الْمَوْصُولَةِ الْأَجِنَّةُ فَرُوعِيَ مَعْنَى (مَا) وَرُوعِيَ لَفْظُ (مَا) فِي تَذْكِيرِ (مُحَرَّمٍ) .
وَالْمُحَرَّمُ: الْمَمْنُوعُ، أَيْ مَمْنُوعٌ أَكْلُهُ، فَإِسْنَادُ الْخُلُوصِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَى الذَّوَاتِ بِتَأْوِيلِ تَحْرِيمِ مَا تُقْصَدُ لَهُ وَهُوَ الْأَكْلُ أَوْ هُوَ وَالشُّرْبُ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ الْمُتَزَوِّجَاتِ لِأَنَّهُمْ سَمُّوهُنَّ أَزْوَاجًا، وَأَضَافُوهُنَّ إِلَى ضَمِيرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُنَّ النِّسَاءُ الْمُتَزَوِّجَاتُ بِهِمْ كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةُ فُلَانٍ.
وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الظَّاهِرِ - وَهُوَ الْأَوْلَى عِنْدِي - كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِأَكْلِ الزَّوْجَاتِ لِشَيْءٍ ذِي صِفَةٍ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ تُصِيبَ نِسَاءَهُمْ: مِثْلُ الْعُقْمِ، أَوْ سُوءِ المعاشرة مَعَ الْأزْوَاج، وَالنُّشُوزِ، أَوِ الْفِرَاقِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْهَامِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَاذِيبِهِمْ، أَوْ لِأَنَّهُ نِتَاجُ أَنْعَامٍ مُقَدَّسَةٍ، فَلَا تَحِلُّ لِلنِّسَاءِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَرْمُوقَةٌ عِنْدَ الْقُدَمَاءِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِالنَّجَاسَةِ وَالْخَبَاثَةِ، لِأَجْلِ الْحَيْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَمْنَعُونَ النِّسَاءَ دُخُولَ الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ الْعَرَبُ لَا يُؤَاكِلُونَ الْحَائِضَ، وَقَالَتْ كَبْشَة بنت معديكرب تُعَيِّرُ قَوْمَهَا:
وَلَا تَشْرَبُوا إِلَّا فُضُولَ نِسَائِكُمْ ... إِذَا ارْتَمَلَتْ أَعْقَابُهُنَّ مِنَ الدَّمِ
وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الْأَزْوَاجُ عَلَى النِّسَاءِ مُطْلَقًا، أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، فَيَشْمَلُ الْمَرْأَةَ الْأَيِّمَ وَلَا يَشْمَلُ الْبَنَاتَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ بِهِ الْبَنَاتُ أَيْ بِمَجَازِ الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِأَكْلِ الْبَنَاتِ مِنْهُ أَنْ يُصِيبَهُنَّ عُسْرُ التَّزَوُّجِ، أَوْ مَا يَتَعَيَّرُونَ مِنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَكَانَتِ الْأَحْوَالُ الشَّائِعَةُ بَيْنَهُمْ دَالَّةً عَلَى الْمُرَادِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ) أَيْ إِنْ يُولَدْ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ مَيِّتًا جَازَ أَكْلُهُ لِلرِّجَالِ وَالْأَزْوَاجِ، أَوْ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، أَوْ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَنَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مَيِّتًا يُبْطِلُ مَا فِيهِ مِنَ الشُّؤْمِ عَلَى الْمَرْأَةِ، أَوْ يُذْهِبُ قَدَاسَتَهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.