فهرس الكتاب

الصفحة 3175 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): الْآيَات 77 إِلَى 78]

(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78)

الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكَايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) [الْأَعْرَاف: 76] ، أَيْ قَالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، وَالتَّعْقِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ قَالُوا ذَلِكَ كَانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وَصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وَعَجَزُوا عَنِ الْمُحَاجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَعَزَمُوا عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى النِّكَايَةِ وَالْإِغَاظَةِ لِصَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ، وَرَسَمُوا لِابْتِدَاءِ عَمَلِهِمْ أَنْ يَعْتَدُوا عَلَى النَّاقَةِ الَّتِي جَعَلَهَا صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ، وَأَقَامَهَا - بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ - عَلَامَةَ مُوَادَعَةٍ مَا دَامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَهَا بِسُوءٍ، وَمَقْصِدُهُمْ مِنْ نِيَّتِهِمْ إِهْلَاكُ النَّاقَةِ أَنْ يُزِيلُوا آيَةَ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِئَلَّا يَزِيدَ عَدَدُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سَالِمَةً بَيْنَهُمْ تُثِيرُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْهُمُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى صِدْقِهِ وَالِاسْتِئْنَاسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرَائِهِمْ وَتَقْرِيرِهِمْ لَهَا عَلَى مَرْعَاهَا وَشُرْبِهَا، وَلِأَنَّ فِي اعْتِدَائِهِمْ عَلَيْهَا إِيذَانًا مِنْهُم بتحفزهم للإضرار بِصَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِمَنْ آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِيُرُوا صَالِحًا عَلَيْهِ السّلام أنّهم مستخفّون بِوَعِيدِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) [الْأَعْرَاف: 73] .

وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) وَقَدْ أُسْنِدَ الْعُقْرُ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ تَمَالُئٍ وَرِضًى مِنْ جَمِيعِ الْكُبَرَاءِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي (سُورَةِ الْقَمَرِ) [29] : (فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ)

وَهَذَا كَقَوْلِ النَّابِغَةِ فِي شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:

وَهُمْ قَتَلُوا الطَّائِيَّ بِالْجَوِّ عَنْوَةً

وَإِنَّمَا قَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.

وَذُكِرَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ الَّذِي تولّى عقر النَّاقَةَ رَجُلٌ مِنْ سَادَتِهِمُ اسْمُهُ (قُدَارُ) - بِضَمِّ الْقَافِ وَدَالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَرَاءٍ فِي آخِرِهِ - ابْنُ سَالِفٍ.

وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أنّ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ فَقَالَ: انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ.

وَالْعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الْجَرْحُ الْبَلِيغُ، وَيُطْلَقُ الْعَقْرُ عَلَى قَطْعِ عُضْوِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ، عَقَرَ حِمَارَ وَحْشٍ، أَيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ فَقَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا، وَكَانُوا يَعْقِرُونَ الْبَعِيرَ الْمُرَادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ الْهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أطلق الْعقر عَن النَّحْرِ عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ.

وَالْعُتُوُّ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الْكبر، وتعديته بـ (عن) لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِعْرَاضِ.

وَأَمْرُ رَبِّهِمْ هُوَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ عَلَى لِسَانِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) [الْأَعْرَاف: 73] فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالْأَمْرِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنْهُ الْأَمْرُ بِفِعْلِ ضِدِّهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَحَقُّقُ الْكَفِّ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

وَأَرَادُوا: (بِما تَعِدُنا) الْعَذَابَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ مُجْمَلًا.

وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَخْشَوْنَ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُهُ مِنَ الْوَعِيدِ الْمُجْمَلِ.

فَالْمُرَادُ بِمَا تَتَوَعَّدُنَا بِهِ وَصِيغَتْ صِلَةُ الْمَوْصُولِ مِنْ مَادَّةِ الْوَعْدِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ من مَادَّة الْوَعْد.

وَقَدْ فَرَضُوا كَوْنَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ بِحَرْفِ (إِنِ) الدَّالِّ عَلَى الشَّكِّ فِي حُصُولِ الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ كُنْتَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ هَذَا اللَّقَبُ.

وَهَؤُلَاءِ لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ، يَحْسَبُونَ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفَاتِ الْخَلْقِ، فَإِذَا أَرْسَلَ رَسُولًا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ غَضِبَ اللَّهُ وَانْدَفَعَ إِلَى إِنْزَالِ الْعِقَابِ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظَّالِمِينَ ثُمَّ يَأْخُذَهُمْ مَتَى شَاءَ.

وَجُمْلَةُ (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) وَبَيْنَ جُمْلَةِ (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أُرِيدُ بِاعْتِرَاضِهَا التَّعْجِيلُ بِالْخَبَرِ عَنْ نَفَاذِ الْوَعِيدِ فِيهِمْ بِعَقِبِ عُتُوِّهِمْ، فَالتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ، أَيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعُقْرِ وَبَيْنَ الرَّجْفَةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، كَانَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، كَمَا وَرَدَ فِي آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) .

وَأَخْذُ الرَّجْفَةِ: إِهْلَاكُهَا إِيَّاهُمْ وَإِحَاطَتُهَا بِهِمْ إِحَاطَةَ الْآخِذِ.

وَالرَّجْفَةُ: اضْطِرَابُ الْأَرْضِ وَارْتِجَاجُهَا، فَتَكُونُ مِنْ حَوَادِثَ سَمَاوِيَّةٍ كَالرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ وَالصَّوَاعِقِ، وَتَكُونُ مِنْ أَسْبَابٍ أَرْضِيَّةٍ كَالزَّلَازِلِ، فَالرَّجْفَةُ اسْمٌ لِلْحَالَةِ الْحَاصِلَةِ، وَقَدْ سَمَّاهَا فِي (سُورَةِ هُودٍ) بِالصَّيْحَةِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي أَصَابَ ثَمُودَ هُوَ صَاعِقَةٌ أَوْ صَوَاعِقُ مُتَوَالِيَةٌ رَجَفَتْ أَرْضَهُمْ وَأَهْلَكَتْهُمْ صَعِقِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَن تقارنها زلازل أَرْضِيَّةٌ.

وَالدَّارُ: الْمَكَانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ الْقَوْمُ، وَهُوَ يُفْرَدُ وَيُجْمَعُ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: (فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) .

(فَأَصْبَحُوا) هُنَا بِمَعْنَى صَارُوا.

وَالْجَاثِمُ: الْمُكِبُّ عَلَى صَدْرِهِ فِي الْأَرْضِ مَعَ قَبْضِ سَاقَيْهِ كَمَا يَجْثُو الْأَرْنَبُ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ سُكُونًا وَانْقِطَاعًا عَنِ اضْطِرَابِ الْأَعْضَاءِ اسْتُعْمِلَ فِي الْآيَةِ كِنَايَةً عَنْ هُمُودِ الْجُثَّةِ بِالْمَوْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَشْبِيهَ حَالَةِ وُقُوعِهِمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ حِينَ صُعِقُوا بِحَالَةِ الْجَاثِمِ تَفْظِيعًا لِهَيْئَةِ مِيتَتَهُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ

أَصْبَحُوا جُثَثًا هَامِدَةً مَيِّتَةً عَلَى أَبْشَعِ مَنْظَرٍ لِمَيِّتٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت