(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
وَالسُّرْعَةُ الْمُشْتَقُّ مِنْهَا سَارِعُوا مَجَازٌ فِي الْحِرْصِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالْفَوْرِ إِلَى عَمَلِ الطَّاعَاتِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ وَالْجَنَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ حَقِيقَةً، وَهِيَ سُرْعَةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد عِنْد النفير كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .
وَالْمُسَارَعَةُ، عَلَى التَّقَادِيرِ كُلِّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ وَأَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَتَعْلِيقُهَا بِذَاتِ الْمَغْفِرَةِ وَالْجَنَّةِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالذَّوَاتِ عَلَى إِرَادَةِ أَحْوَالِهَا عِنْدَ ظُهُورِ عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّعَلُّقِ بِالذَّاتِ.
وَجِيءَ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ، مُجَرَّدَةً عَنِ مَعْنَى حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْ جَانِبَيْنِ، قَصْدَ الْمُبَالِغَةِ فِي طَلَبِ الْإِسْرَاعِ، وَالْعَرَبُ تَأْتِي بِمَا يَدُلُّ فِي الْوَضْعِ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَهُمْ يُرِيدُونَ التَّأْكِيدَ وَالْمُبَالَغَةَ دُونَ التَّكْرِيرِ، وَنَظِيرُهُ التَّثْنِيَةُ فِي قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الْملك: 4] .
وَتَنْكِيرُ (مَغْفِرَةٍ) وَوَصْلُهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ رَبِّكُمْ) مَعَ تأتّي الْإِضَافَةِ بِأَنْ يُقَالَ إِلَى مَغْفِرَةِ رَبِّكُمْ، لِقَصْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَوَصْفِ الْجَنَّةِ بِأَنَّ عَرْضَهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ فِي نَظِيرَتِهَا فِي آيَةِ سُورَةِ الْحَدِيدِ.
وَالْعَرْضُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الطُّولَ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَيُطْلَقُ عَلَى الِاتِّسَاعِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْعَرِيضَ هُوَ الْوَاسِعُ فِي الْعُرْفِ بِخِلَافِ الطَّوِيلِ غَيْرِ الْعَرِيضِ فَهُوَ ضَيِّقٌ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْعُدَيْلِ:
وَدُونَ يَدِ الْحَجَّاجِ مِنْ أَنْ تَنَالَنِي ... بِسَاطٌ بِأَيْدِي النَّاعِجَاتِ عَرِيضُ
وَذِكْرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّسَاعِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيُوَافِقَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ، وَأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ عَرْضُهَا حَقِيقَةً، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ لَكِنَّهَا أَكْبَرُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَدْ رُوِيَ: الْعَرْشُ سَقْفُ الْجَنَّةِ.
وَأَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وَفِي حَدِيثِ رُؤْيَا رَآهَا النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ
قَوْلُهُ: «إنّ جِبْرِيل وميكاييل قَالَا لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعَ فَإِذَا فَوْقَهُ مِثْلُ السَّحَابِ، قَالَا: هَذَا مَنْزِلُكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ» .
وَجُمْلَةُ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) إِنْ أُرِيدَ بِالْمُتَّقِينَ أَكْمَلُ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّقْوَى، فَإِعْدَادُهَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى - الَّذِينَ لَا يَلِجُونَ النَّارَ أَصْلًا - عَدْلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى - فَيَكُونُ مُقَابِلَ قَوْلِهِ: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) [آل عمرَان: 131] ، وَيَكُونُ عُصَاةُ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ التَّائِبِينَ قَدْ أَخَذُوا بحظّ من الدَّارَيْنِ، لِمُشَابِهَةِ حَالِهِمْ حَالَ الْفَرِيقَيْنِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ وَفَضْلًا، وَبِمِقْدَارِ الِاقْتِرَابِ مِنْ أَحَدِهِمَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِنَصِيبٍ مِنْهُ، وَأُرِيدَ الْمُتَّقُونَ فِي الْجُمْلَةِ فَالْإِعْدَادُ لَهُمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ مُقَدَّرُونَ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْعَاقِبَةِ.
وَقَدْ أَجْرَى عَلَى الْمُتَّقِينَ صِفَاتِ ثَنَاءٍ وَتَنْوِيهٍ، هِيَ لَيْسَتْ جِمَاعَ التَّقْوَى، وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَهَا فِي مَحَلِّهَا مُؤذن بأنّ ذَلِك الْمَحَلَّ الْمَوْصُوفَ بِهَا قَدِ اسْتَكْمَلَ مَا بِهِ التَّقْوَى، وَتِلْكَ هِيَ مُقَاوَمَةُ الشُّحِّ الْمُطَاعِ، وَالْهَوَى الْمُتَّبَعِ.
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ)
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِي نَفْسٍ سَهُلَ مَا دُونَهَا لَدَيْهَا.
وَبِجِمَاعِهَا يَجْتَمِعُ كَمَالُ الْإِحْسَانِ وَلِذَلِكَ ذَيَّلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْسِنُونَ وَاللَّهُ يحبّ الْمُحْسِنِينَ.