فهرس الكتاب

الصفحة 2659 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 91]

(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)

رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ.

وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ كَالنَّتِيجَةِ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالشَّرَائِعِ وَالْكُتُبِ، فَلَا جَرَمَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا:

مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، قَدْ جَاءُوا إِفْكًا وَزُورًا وَأَنْكَرُوا مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي أَجْيَالِ الْبَشَرِ بِالتَّوَاتُرِ.

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِثْلُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) [سبأ: 31] .

وَمِنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مَنْ جَعَلَ هَذَا حِكَايَةً لِقَوْلِ بَعْضِ الْيَهُودِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ مُعَيَّنٌ أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.

وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ الْقُرَظِيُّ وَكَانَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَمِينًا وَأَنَّهُ جَاءَ يُخَاصم النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ «أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ» فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.

وَعَنِ السُّدِّيِّ: أَنَّ قَائِلَهُ فِنْحَاصُ الْيَهُودِيُّ.

وَمَحْمَلُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَالَهُ جَهْلًا بِمَا فِي كُتُبِهِمْ فَهُوَ مِنْ عَامَّتِهِمْ، أَوْ قَالَهُ لَجَاجًا وَعِنَادًا.

أَيْ مَا قَدَرُوهُ حِينَ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَفَوْا شَأْنًا عَظِيما من شئون اللَّهِ، وَهُوَ شَأْنُ هَدْيِهِ النَّاسَ وَإِبْلَاغِهِمْ مُرَادَهُ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ،

قَدْ جَهِلُوا مَا يُفْضِي إِلَى الْجَهْلِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ صِفَةُ الْكَلَامِ، وَجَهِلُوا رَحْمَتَهُ لِلنَّاسِ وَلُطْفَهُ بِهِمْ.

وَالْمُرَادُ بِـ (شَيْءٍ) هُنَا شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأَنْ يُفْحِمَهُمْ بِاسْتِفْهَامِ تَقْرِيرٍ وَإِلْجَاءٍ بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى) فَذَكَّرَهُمْ بِأَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ جَحَدَهُ لِتَوَاتُرِهِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَهُوَ رِسَالَةُ مُوسَى وَمَجِيئُهُ بِالتَّوْرَاةِ وَهِيَ تُدْرَسُ بَيْنَ الْيَهُودِ فِي الْبَلَدِ الْمُجَاوِرِ مَكَّةَ، وَالْيَهُودُ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى مَكَّةَ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى يَثْرِبَ وَمَا حَوْلَهَا وَفِيهَا الْيَهُودُ وَأَحْبَارُهُمْ، وَبِهَذَا لَمْ يُذَكِّرْهُمُ اللَّهُ بِرِسَالَةِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَلُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ صُحُفًا فَكَانَ قَدْ يَتَطَرَّقُهُ اخْتِلَافٌ فِي كَيْفِيَّةِ رِسَالَتِهِ وَنُبُوءَتِهِ.

وَافْتُتِحَ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْإِفْحَامِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُور النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَهُ.

وَالنُّورُ: اسْتِعَارَةٌ لِلْوُضُوحِ وَالْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ يُشَبَّهُ بِالنُّورِ، كَمَا يُشَبَّهُ الْبَاطِلُ بِالظُّلْمَةِ.

وَقَوْلُهُ: (تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) صِفَةٌ لِقَرَاطِيسَ، أَيْ تُبْدُونَ بَعْضَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْهَا، فَفُهِمَ أَنَّ الْمَعْنَى تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ لِغَرَضِ إِبْدَاءِ بَعْضٍ وَإِخْفَاءِ بَعْضٍ.

وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي مَحَلِّ الذَّمِّ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كُتُبَهُ لِلْهُدَى، وَالْهُدَى بِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى إِظْهَارِهَا وَإِعْلَانِهَا، فَمَنْ فَرَّقَهَا لِيُظْهِرَ بَعْضًا وَيُخْفِيَ بَعْضًا فَقَدْ خَالَفَ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهَا.

فَأَمَّا لَوْ جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ لِغَيْرِ هَذَا الْمَقْصِدِ لَمَا كَانَ فِعْلُهُمْ مَذْمُومًا، كَمَا كَتَبَ الْمُسْلِمُونَ الْقُرْآنَ فِي أَجْزَاءٍ مُنْفَصِلَةٍ لِقَصْدِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ كِتَابَةُ الْأَلْوَاحِ فِي الْكَتَاتِيبِ لِمَصْلَحَةٍ.

وَقَوْلُهُ: (قُلِ اللَّهُ) جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ.

وَقَدْ تَوَلَّى السَّائِلُ الْجَوَابَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ لَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُجِيبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَابِرَ، عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ) [12] .

وَالْمَعْنَى قُلِ اللَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُوسَى.

وَعَطَفَ (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) بِـ (ثُمَّ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، أَيْ أَنَّهُمْ لَا تَنْجَعُ فِيهِمُ الْحُجَجُ وَالْأَدِلَّةُ فَتَرْكُهُمْ وَخَوْضَهُمْ بَعْدَ التَّبْلِيغِ هُوَ الْأَوْلَى وَلَكِنَّ الِاحْتِجَاجَ عَلَيْهِمْ لِتَبْكِيتِهِمْ وَقَطْعِ مَعَاذِيرِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت