(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)
قَالَ الزَّجَّاجُ: «لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً، وَقِصَصًا، خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعِهِ، وَتَأْكِيدًا وَفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبْلُ» .
يَعْنِي: أَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنَ الْمَوَاعِظِ، وَالْإِرْشَادِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ: مِمَّا هُوَ عَوْنٌ عَلَى تِلْكَ الْمَقَاصِدِ، إِلَى الثَّنَاءِ عَلَى رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِيمَانًا خَالِصًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ، يَقْتَضِي الِامْتِثَالَ لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ.
(وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) عَطْفٌ عَلَى (آمَنَ الرَّسُولُ) وَالسَّمْعُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الرِّضَا، وَالْقَبُولِ، وَالِامْتِثَالِ، وَعَكْسُهُ لَا يَسْمَعُونَ أَيْ لَا يُطِيعُونَ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّهُمْ آمَنُوا، وَاطْمَأَنُّوا وَامْتَثَلُوا، وَإِنَّمَا جِيءَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، دُونَ الْمُضَارِعِ، لِيَدُلُّوا عَلَى رُسُوخِ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِنْشَاءَ الْقَبُولِ وَالرِّضَا، وَصِيَغُ الْعُقُودِ وَنَحْوِهَا تَقَعُ بِلَفْظِ الْمَاضِي نَحْوَ بِعْتُ.
والمصير يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ اعْتِرَافًا بِالْبَعْثِ، وَجُعِلَ مُنْتَهِيًا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ مُنْتَهٍ إِلَى يَوْمٍ، أَوْ عَالَمٍ، تَظْهَرُ فِيهِ قُدْرَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ تَمَامِ الِامْتِثَالِ وَالْإِيمَانِ.
كَأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ آبِقِينَ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات: 50] .