فهرس الكتاب

الصفحة 2486 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 31]

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يَا حَسْرَتَنا عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ(31)

وَالْخَسَارَةُ هُنَا حِرْمَانُ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ لَا الدُّنْيَا.

وَلِقَاءُ اللَّهِ هُوَ ظُهُورُ آثَارِ رِضَاهُ وَغَضَبِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ وَلَا إِمْهَالٍ وَلَا وِقَايَةٍ بِأَسْبَابٍ عَادِيَّةٍ مِنْ نِظَامِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا كَانَ الْعَالَمُ الْأُخْرَوِيُّ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْبَعْثِ عَالَمَ ظُهُورِ الْحَقَائِقِ بِآثَارِهَا دُونَ مَوَانِعَ، وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ هِيَ مُرَادُ اللَّهِ الْأَعْلَى الَّذِي جَعَلَهُ عَالَمَ كَمَالِ الْحَقَائِقِ، جَعَلَ الْمَصِيرَ إِلَيْهِ مُمَاثِلًا لِلِقَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ بَعْدَ الْغَيْبَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ عَنْهُ زَمَانًا طَوِيلًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْبَعْثُ مُلَاقَاةَ اللَّهِ، وَلِقَاءَ اللَّهِ وَمَصِيرًا إِلَى اللَّهِ، وَمَجِيئًا إِلَيْهِ.

فَاللِّقَاءُ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ حَالَةَ الْخَلْقِ عِنْدَ الْمَصِيرِ إِلَى تَنْفِيذِ وَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ بِحَالَةِ الْعَبِيدِ عِنْدَ حُضُورِ سَيِّدِهِمْ بَعْدَ غَيْبَةٍ لِيَجْزِيَهُمْ على مَا فعلوا فِي مُدَّةِ الْمَغِيبِ.

وَشَاعَ هَذَا التَّمْثِيلُ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ»

وَفِي الْقُرْآنِ (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) [غَافِر: 15] .

وَ (يَا حَسْرَتَنا) نِدَاءٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّعَجُّبُ وَالتَّنَدُّمُ، وَهُوَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ نِدَاءٌ لِلْحَسْرَةِ بِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ شَخْصٍ يَسْمَعُ وَيُنَادَى لِيَحْضُرَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا حَسْرَةً احْضُرِي فَهَذَا أَوَانُ حُضُورِكِ.

وَأَضَافُوا الْحَسْرَةَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ لِيَكُونَ تَحَسُّرُهُمْ لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمْ، فَهُمُ الْمُتَحَسِّرُونَ وَالْمُتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَا حَسْرَةً، فَإِنَّهُ فِي الْغَالِبِ تَحَسَّرَ لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَهُوَ يَتَحَسَّرُ لِحَالِ غَيْرِهِ.

وَلِذَلِكَ تَجِيءُ مَعَهُ (عَلَى) الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُتَحَسَّرِ مِنْ أَجْلِهِ دَاخِلَةً عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ التَّحَسُّرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) فَأَمَّا مَعَ (يَا حَسْرَتَى، أَوْ يَا حَسْرَتَا) فَإِنَّمَا تَجِيءُ (عَلَى) دَاخِلَةً عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي التَّحَسُّرِ كَمَا هُنَا (عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها) .

وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: يَا وَيْلِي وَيَا وَيْلَتِي، قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا) [الْكَهْف: 49] ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ أَنَّ الْوَيْلَ لِغَيْرِهِ قَالَ: وَيْلَكَ، قَالَ تَعَالَى: (وَيْلَكَ آمِنْ) [الْأَحْقَاف: 17] وَيَقُولُونَ: وَيْلٌ لَكَ.

وَالْحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ، وَهُوَ التَّلَهُّفُ.

و (فَرَّطْنا) أَضَعْنَا.

يُقَالُ: فَرَّطَ فِي الْأَمْرِ إِذَا تَهَاوَنَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَحْفَظْهُ، أَوْ فِي اكْتِسَابِهِ حَتَّى فَاتَهُ وَأَفْلَتَ مِنْهُ.

وَالْمَعْنَى عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي السَّاعَةِ، يَعْنُونَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ نَجَاةِ وَنَعِيمِ أَهْلِ الْفَلَّاحِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ ضَمِيرُ فِيها عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيَكُونَ «فِي» لِلظَّرْفِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

وَجُمْلَةُ: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ)

وَالْأَوْزَارُ جَمْعُ وِزْرٍ - بِكَسْرِ الْوَاوِ -، وَهُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَفِعْلُهُ وَزَرَ يَزِرُ إِذَا حَمَلَ.

وَأُطْلِقَ الْوِزْرُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْجِنَايَةِ لِثِقَلِ عَاقِبَتِهَا عَلَى جَانِيهَا.

وَقَوْلُهُ: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ عَنَتِهِمْ مِنْ جَرَّاءِ ذُنُوبِهِمْ بِحَالِ مَنْ يَحْمِلُ حِمْلًا ثَقِيلًا.

وَذَكَرَ (عَلى ظُهُورِهِمْ) هُنَا مُبَالَغَةً فِي تَمْثِيلِ الْحَالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: 30] .

فَذَكَرَ الْأَيْدِي لِأَنَّ الْكَسْبَ يَكُونُ بِالْيَدِ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَخْيِيلَ الِاسْتِعَارَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى التَّخْيِيلُ فِي التَّمْثِيلِيَّةِ لِأَنَّ مَا يُذْكَرُ فِيهَا صَالِحٌ لِاعْتِبَارِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْهَيْئَةِ، فَإِنَّ الْحَمْلَ عَلَى الظَّهْرِ مُؤْذِنٌ بِنِهَايَةِ ثِقَلِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْحَامِلِ.

وَمِنْ لَطَائِفِ التَّوْجِيهِ وَضْعُ لَفْظِ الْأَوْزَارِ فِي هَذَا التَّمْثِيلِ فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَحْمَالِ الثَّقِيلَةِ وَبَيْنَ الذُّنُوبِ، وَهُمْ إِنَّمَا وَقَعُوا فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ مِنْ جَرَّاءِ ذُنُوبِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَهَا لِأَنَّهُمْ يُعَانُونَ شِدَّةَ آلَامِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت