(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ(34)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) عَطْفُ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ.
وَإِعَادَةُ (إِذْ) بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ الْمُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ظَرْفِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ مَقْصُودَةٌ بِذَاتِهَا لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ فَجَاءَتْ عَلَى أُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالِاهْتِمَامِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمُرَاعَاةِ لَمْ يُؤْتَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَعْطُوفَةً بِفَاءِ التَّفْرِيع.
وَإِظْهَارُ لَفْظِ الْمَلَائِكَةِ وَلَفْظِ آدَمَ هُنَا دُونَ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرَيْهِمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: (قالُوا سُبْحانَكَ) [الْبَقَرَة: 32] وَقَوْلِهِ: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ) [الْبَقَرَة: 33] لِتَكُونَ الْقِصَّةُ الْمَعْطُوفَةُ مَعْنُونَةً بِمِثْلِ عُنْوَانِ الْقِصَّةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا إِشَارَةً إِلَى جَدَارَةِ الْمَعْطُوفَةِ بِأَنْ تكون قصَّة مَقْصُورَة غَيْرَ مُنْدَمِجَةٍ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَغُيِّرَ أُسْلُوبُ إِسْنَادِ الْقَوْلِ إِلَى اللَّهِ فَأُتِيَ بِهِ مُسْنَدًا إِلَى ضَمِيرِ الْعَظَمَةِ وَإِذْ قُلْنا وَأَتَى بِهِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مُسْنَدًا إِلَى رَبِّ النَّبِيءِ (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ) [الْبَقَرَة: 30] لِلتَّفَنُّنِ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ هُنَا تَضَمَّنَ أَمْرًا بِفِعْلٍ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِينَ فَنَاسَبَهُ إِظْهَارُ عَظَمَةِ الْآمِرِ، وَأَمَّا القَوْل السَّابِق بِمُجَرَّد إِعْلَامٍ مِنَ اللَّهِ بِمُرَادِهِ لِيُظْهِرَ رَأْيَهُمْ، وَلِقَصْدِ اقْتِرَانِ الِاسْتِشَارَةِ بِمَبْدَأِ تَكْوِينِ الذَّاتِ الْأَوْلَى مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ الْمُحْتَاجِ إِلَى التَّشَاوُرِ فَنَاسَبَهُ الْإِسْنَادُ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَدْبِيرِ شَأْنِ الْمَرْبُوبَيْنِ.
وَأُضِيفَ إِلَى ضَمِيرِ أَشْرَفِ الْمَرْبُوبِينَ وَهُوَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) .
وَتَعْدِيَةُ (اسْجُدُوا) لِاسْمِ آدَمَ بِاللَّامِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِالسُّجُودِ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَصْلُ دَلَالَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ إِذَا عُلِّقَ بِمَادَّةِ السُّجُودِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) [النَّجْم: 62] وَقَوْلِهِ: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ) [فصلت: 37]
وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ السُّجُودَ فِي الْإِسْلَامِ لِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ لِأَنَّ هَذَا شَرْعٌ جَدِيدٌ نَسَخَ مَا كَانَ فِي الشَّرَائِعِ الْأُخْرَى وَلِأَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عَمَلِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ تَكَالِيفِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا طَائِلَ تَحْتَ إِطَالَةِ الْبَحْثِ فِي أَنَّ آدَمَ مَسْجُودٌ لَهُ أَوْ هُوَ قِبْلَةٌ لِلسَّاجِدِينَ كَالْكَعْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ بِجَعْلِ اللَّامِ بِمَعْنَى إِلَى مِثْلَهَا فِي قَوْلِ حَسَّانَ: أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ فَإِنَّ لِلضَّرُورَةِ أَحْكَامًا.
لَا يُنَاسب أَن يُقَال بِهَا أَحْسَنُ الْكَلَامِ نِظَامًا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْزَعٌ بَدِيعٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَجَدَارَةِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَلَّمَ آدَمَ عِلْمًا لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ كَانَ قَدْ جَعَلَ آدَمَ أُنْمُوذَجًا لِلْمُبْدَعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ وَالْعُلُومِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْبَشَرِ مِنْ بَعْدُ وَالَّتِي سَتَظْهَرُ إِلَى فَنَاءِ هَذَا الْعَالَمِ.
وَعَطْفُ (فَسَجَدُوا) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ يُشِيرُ إِلَى مُبَادَرَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالِامْتِثَالِ وَلَمْ يَصُدَّهُمْ مَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّخَوُّفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَخْلُوقُ مَظْهَرَ فَسَادٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ لِأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْمَعَاصِي.
وَاسْتِثْنَاءُ إِبْلِيسَ مِنْ ضَمِيرِ الْمَلَائِكَةِ فِي فَسَجَدُوا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ) [50] (إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ) وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَحْوَالَهُ كَأَحْوَالِ النُّفُوسِ الْمَلَكِيَّةِ بِتَوْفِيقٍ غَلَبَ عَلَى جِبِلَّتِهِ لِتَتَأَتَّى مُعَاشَرَتُهُ بِهِمْ وَسَيْرُهُ عَلَى سِيرَتِهِمْ فَسَاغَ اسْتِثْنَاءُ حَالِهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِمَنْ هُوَ فِيهِمْ.
وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مَقْصُودًا فِي الْخَبَرِ الَّذِي أُخْبِرَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ (إِذْ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [الْبَقَرَة: 30]
وَفِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ إِذْ قَالَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِآدَمَ ذَلِكَ أَنَّ جِنْسَ الْمُجَرَّدَاتِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ مَغْمُورًا بِنَوْعِ الْمَلَكِ إِذْ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَوْعِهِمْ أَفْرَادًا كَثِيرَةً كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) [الْبَقَرَة: 30] وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ مِنْ نَوْعِ الْجِنِّ إِلَّا أَصْلَهُمْ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَخَلَقَ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ أَصْلَهُمْ وَهُوَ آدَمُ.
وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ إِبْلِيسَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ إِقَامَةَ ارْتِيَاضٍ وَتَخَلُّقٍ وَسَخَّرَهُ لِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ فَجَرَى عَلَى ذَلِكَ السَّنَنِ أَمَدًا طَوِيلًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ ظَهَرَ مَا فِي نَوْعِهِ مِنَ الْخَبَثِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) فِي (سُورَةِ الْكَهْفِ) [50] فَعَصَى رَبَّهُ حِينَ أَمَرَهْ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
وَجُمْلَةُ (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) مَعْطُوف عَلَى الْجُمَلِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَ (كَانَ) لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ اتَّصَفَ بِالْكُفْرِ فِي زَمَنٍ مَضَى قَبْلَ زَمَنِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ اتَّصَفَ بِهِ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَقَدْ تَحَيَّرَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ حَمْلِهِمْ فِعْلَ (كَانَ) عَلَى الدِّلَالَةِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْكُفْرِ فِيمَا مَضَى عَنْ وَقْتِ الِامْتِنَاعِ مِنَ السُّجُودِ، وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فَرِيقٌ يُوصَفُ بِالْكَافِرِينَ فَاحْتَاجُوا أَنْ يَتَمَحَّلُوا بِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَتَمَحَّلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مُظْهِرًا الطَّاعَةَ مُبْطِنًا الْكُفْرَ نِفَاقًا، وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى بَاطِنِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ الْمَلَائِكَةَ وَجَعَلُوا هَذَا الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الْبَقَرَة: 30] وَكُلُّ ذَلِكَ تَمَحُّلٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْمُضِيِّ يُفِيدُ مُضِيَّ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِ التَّكَلُّمِ، وَأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً الَّذِينَ جَعَلُوا كَانَ بِمَعْنَى صَارَ فَإِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ فِعْلِ كَانَ قَالَ تَعَالَى: (وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) [هود: 43] وَقَالَ: (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا) [الْوَاقِعَة: 5، 6] وَقَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ:
بِتَيْهَاءَ قَفْرِ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا ... قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا
أَيْ صَارَ كَافِرًا بِعَدَمِ السُّجُودِ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ نَشَأَ عَنِ اسْتِكْبَارِهِ عَلَى اللَّهِ وَاعْتِقَادِ أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى حَقِّ الْحِكْمَةِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الِانْقِلَابَ الَّذِي عَرَضَ لِإِبْلِيسَ فِي جِبِلَّتِهِ كَانَ انْقِلَابَ اسْتِخْفَافٍ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ صَارَ بِهِ كَافِرًا صَرَاحًا.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَحْسَنَ الْوُجُوهِ فِي مَعْنَى (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ وَكَفَرَ كَمَا قَالَ: أَبى وَاسْتَكْبَرَ فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إِلَى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ لِدَلَالَةِ (كَانَ) فِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى رُسُوخِ مَعْنَى الْخَبَرِ فِي اسْمِهَا، وَالْمَعْنَى أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَفَرَ كُفْرًا عَمِيقًا فِي نَفْسِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) [الْأَعْرَاف: 83] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) [النَّمْل: 41] دُونَ أَن يَقُول أم لَا تَهْتَدِيَ لِأَنَّهَا إِذَا رَأَتْ آيَةَ تَنْكِيرِ عَرْشِهَا وَلَمْ تَهْتَدِ كَانَتْ رَاسِخَةً فِي الِاتِّصَافِ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِخَبَرِ (كانَ مِنَ الْكافِرِينَ) دُونَ أَنْ يَقُولَ وَكَانَ كَافِرًا فَلِأَنَّ إِثْبَاتَ الْوَصْفِ لِمَوْصُوفٍ بِعُنْوَانِ كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاحِدًا من جمَاعَة تثبت لَهُمْ ذَلِكَ الْوَصْفُ أَدَلُّ عَلَى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الْوَصْفِ مِنْهُ مِمَّا لَوْ أَثْبَتَ لَهُ الْوَصْفَ وَحْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَزْدَادُ تَمَسُّكًا بِفِعْلِهِ إِذَا كَانَ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ بِمِقْدَارِ مَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ تَبْعُدُ نَفْسُهُ عَنِ التَّرَدُّدِ فِي سَدَادِ عَمَلِهَا وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) [النَّمْل: 27] وَقَوْلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا (أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) وَهُوَ دَلِيلٌ كَنَائِيٌّ وَاسْتِعْمَالٌ بَلَاغِيٌّ جَرَى عَلَيْهِ نَظْمُ الْآيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ جَمْعٌ مِنَ الْكَافِرِينَ بَلْ كَانَ إِبْلِيسُ وَحِيدًا فِي الْكُفْرِ.
وَهَذَا منزع انتزعه مِنْ تَتَبُّعِ مَوَارِدِ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي هَاتَيْنِ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ خُصُوصِيَّةِ زِيَادَةِ (كَانَ) وَخُصُوصِيَّةِ إِثْبَاتِ الْوَصْفِ لِمَوْصُوفٍ بِعُنْوَانِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مَوْصُوفِينَ بِهِ وَسَيَجِيءُ ذَلِك قَرِيبا عَن قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [الْبَقَرَة: 43] .
وَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ امْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ جَمْعٌ مِنَ الْكَافِرِينَ كَانَ قَوْلُهُ: (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) جَارِيًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْإِخْبَارِ الْكِنَائِيِّ.
وَفِي هَذَا الْعُدُولِ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مُرَاعَاةٌ لِمَا تَقْتَضِيهِ حُرُوفُ الْفَاصِلَةِ أَيْضًا، وَقَدْ رُتِّبَتِ الْأَخْبَارُ الثَّلَاثَةُ فِي الذِّكْرِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ مَفْهُومَاتِهَا فِي الْوُجُودِ وَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِنْشَاءِ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ الْكَلَامِ مُطَابِقًا لِتَرْتِيبِ مَدْلُولَاتِ جُمَلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) [هود: 77] وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِي «أُصُولِ الْإِنْشَاء الخطابة» .