(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ(55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56)
وَقَعَتْ جُمْلَةُ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) [الْمَائِدَة: 54] بَيْنَ الْآيَاتِ مُعْتَرِضَةً، ثُمَّ اتَّصَلَ الْكَلَامُ بِجُمْلَةِ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) .
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، لِأَنَّ وَلَايَتَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهُمْ فَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَلَيَّهُ لَا تَكُونُ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَوْلِيَاءَهُ.
وَتُفِيدُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْ وَلَايَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِطَرِيقَةِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ بِالْأَمْرِ بِضِدِّهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) يَتَضَمَّنُ أَمْرًا بِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْوَلَايَةِ وَدَوَامِهَا، فَهُوَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ، وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (إِنَّمَا) قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى مَوْصُوفٍ قَصْرًا حَقِيقِيًّا.
وَمَعْنَى كَوْنِ الَّذِينَ آمَنُوا أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) [التَّوْبَة: 71] .
وَإِجْرَاءُ صِفَتَيْ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ (وَهُمْ راكِعُونَ) .
وَيُرَادُ بِالرُّكُوعِ الْخُشُوعُ.
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ وَهُمْ راكِعُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ.
وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنًى، إِذْ تُؤْتَى الزَّكَاةُ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ، وَرَكَّبُوا هَذَا الْمَعْنَى عَلَى خَبَرٍ تَعَدَّدَتْ رِوَايَاتُهُ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَلَيْسَ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا وَجَهَالَةِ رِجَالِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ، أَيِ الرِّوَايَةِ، نَظَرٌ، قَالَ: رَوَى الْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ: جَاءَ ابْنُ سَلَامٍ (أَيْ عَبْدُ اللَّهِ) وَنَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ آمَنُوا (أَيْ مِنَ الْيَهُودِ) فشكوا للرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ وَمُنَابَذَةَ الْيَهُودِ لَهُمْ فَنَزَلَتْ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَصُرَ بِسَائِلٍ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئًا، فَقَالَ: نَعَمْ خَاتَمُ فِضَّةٍ أَعْطَانِيهِ ذَلِكَ الْقَائِمُ يُصَلِّي، وَأَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ، فكبّر النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.