فهرس الكتاب

الصفحة 2139 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): آيَة 12]

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ(12)

وَمَحَلُّ الْمَوْعِظَةِ هُوَ قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) .

وَهَكَذَا شَأْنُ الْقُرْآنِ فِي التَّفَنُّنِ وَمَجِيءِ الْإِرْشَادِ فِي قَالَبِ الْقِصَصِ، وَالتَّنَقُّلِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى أُسْلُوبٍ.

وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ بِقَدْ وَبِاللَّامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، كَمَا يَجِيءُ التَّأْكِيدُ بِـ (إِنَّ) لِلِاهْتِمَامِ وَلَيْسَ ثَمَّ مُتَرَدَّدٌ وَلَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ.

وَالْبَعْثُ أَصْلُهُ التَّوْجِيهُ وَالْإِرْسَالُ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْإِقَامَةِ وَالْإِنْهَاضِ كَقَوْلِهِ: (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) [يس: 52] ، وَقَوْلِهِ: (فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ) [الرّوم: 56] .

ثُمَّ شَاعَ هَذَا الْمَجَازُ حَتَّى بُنِيَ عَلَيْهِ مَجَازٌ آخَرُ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ الْمَجَازِيَّةِ (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [آل عمرَان: 164] ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى إِثَارَةِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْشَاءِ الْخَوَاطِرِ فِي النَّفْسِ.

وَهُوَ هُنَا يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَالْمَعْنَى الثَّالِثَ.

وَالْعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الْغَيْبَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ) إِلَى طَرِيقِ التَّكَلُّمِ فِي قَوْلِهِ: (وَبَعَثْنا) الْتِفَاتٌ.

وَالْمَعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: (إِنِّي مَعَكُمْ) مَعِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ، تَمْثِيلٌ لِلْعِنَايَةِ وَالْحِفْظِ وَالنَّصْرِ، قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) [الْأَنْفَال: 12] ، وَقَالَ: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه: 46] .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَعَ وَعْدًا بِالْجَزَاءِ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْمِيثَاقِ.

وَالتَّعْزِيرُ: النَّصْرُ.

يُقَالُ: عَزَرَهُ مُخَفَّفًا، وَعَزَّرَهُ مُشَدَّدًا، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي عَزَرَهُ عَزْرًا إِذَا نَصَرَهُ، وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ، لِأَنَّ النَّاصِرَ يَمْنَعُ الْمُعْتَدِيَ عَلَى مَنْصُورِهِ.

وَقَوْلُهُ: (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أَيْ فَقَدْ حَادَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَذَلِكَ لَا عذر لسَائِر فِيهِ حِينَ يُضِلُّهُ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ السَّوِيَّ لَا يُحْوِجُ السَّائِرَ فِيهِ إِلَى الرَّوَغَانِ فِي ثَنَيَاتٍ قَدْ تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ وَتُفْضِي بِهِ إِلَى التِّيهِ فِي الضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت