(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ(163)
غُيِّرَ أُسْلُوبُ الْخَبَرِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُنَا: فَابْتُدِئَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِطَلَبِ أَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْحَاضِرِينَ عَنْهَا، فَنَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لِهَذِهِ الْقَصَصِ الْآتِيَةِ شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ الْقِصَصِ الْمَاضِيَةِ، وَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَيْسَتْ مِمَّا كُتِبَ فِي تَوْرَاةِ الْيَهُودِ وَلَا فِي كُتُبِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا كَانَ مَرْوِيًّا عَنْ أَحْبَارِهِمْ، وَلِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالْأَمْرِ بِسُؤَالِهِمْ عَنْهَا، لِإِشْعَارِ يَهُودِ الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ بِأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا،
وَهُمْ كَانُوا يَكْتُمُونَهَا.
وَالسُّؤَالُ هُنَا فِي معنى التقريع لِتَقْرِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَوْبِيخِهِمْ وَعَدِّ سَوَابِقِ عِصْيَانِهِمْ أَيْ لَيْسَ عِصْيَانُهُمْ إِيَّاكَ بِبِدْعٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ شِنْشِنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، وَلَيْسَ سُؤَالَ الِاسْتِفَادَةِ لِأَن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ مِنْ جَانِبِ رَبِّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَظِيرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ التقريري.
وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ قِيلَ: (أَيْلَةُ) وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ الْيَوْمَ (الْعَقَبَةَ) وَوُصِفَتْ بِأَنَّهَا حَاضِرَةُ الْبَحْرِ بِمَعْنَى الِاتِّصَالِ بِالْبَحْرِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحُضُورَ يَسْتَلْزِمُ الْقُرْبَ، وَكَانَتْ (أَيْلَةُ) مُتَّصِلَةً بِخَلِيجٍ مِنَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ الْقُلْزُمُ.
وَقِيلَ هِيَ (طَبَرِيَّةُ) .
وَأُطْلِقَتِ الْقَرْيَةُ عَلَى أَهْلِهَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إِذْ يَعْدُونَ) أَيْ أَهْلُهَا.
وَالْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ اعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) .
وَالْعُدْوَانُ الظُّلْمُ وَمُخَالَفَةُ الْحَقِّ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَدْوِ وبسكون الدَّالِ وَهُوَ التَّجَاوُزُ.
وَاخْتِيَارُ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَعْدُونَ) إِلَى (فِي السَّبْتِ) مُؤْذِنٌ بِأَنَّ الْعُدْوَانَ لِأَجْلِ يَوْمِ السَّبْتِ، نَظَرًا إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ مِنَ التَّكْرِيرِ الْمُقْتَضِي أَنَّ عُدْوَانَهُمْ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ سَبْتٍ.
وَهَدَفُ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ، لِأَنَّ الْعُدْوَانَ وَقَعَ فِي شَأْن نقص حُرْمَةِ السَّبْتِ.
وَالْحِيتَانُ جَمْعُ حُوتٍ.
وَقَوْلُهُ: (شُرَّعًا) هُوَ جَمْعُ شَارِعٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ ظَاهِرَةً عَلَى الْمَاءِ، يَعْنِي أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ سَطْحِ الْبَحْرِ آمِنَةً مِنْ أَنْ تُصَادَ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهَا ذَلِكَ لِتَكُونَ آيَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَنَّ احْتِرَامَ السَّبْتِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ هُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ،
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: شُرَّعًا مُتَتَابِعَةً مُصْطَفَّةً، أَيْ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ مَا يَرِدُ مِنْهَا يَوْمَ السَّبْتِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ وَلَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ فِيهِ، وَلَا اتَّعَظُوا بِآيَةِ إِلْهَامِ الْحُوتِ أَنْ يَكُونَ آمِنًا فِيهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ الْمَوْعِظَةُ وَالْعِبْرَةُ وَلَيْسَتْ مِنَّةً عَلَيْهِمْ، وَقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) أَيْ نَمْتَحِنُ طَاعَتَهُمْ بِتَعْرِيضِهِمْ لِدَاعِي الْعِصْيَانِ وَهُوَ وُجُودُ الْمُشْتَهَى الْمَمْنُوعِ.
وَجُمْلَةُ (كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِجَوَابِ سُؤَالِ مَنْ يَقُولُ: مَا فَائِدَةُ هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَرْعَوُونَ عَنِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ السَّبْتِ.
وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْبَلْوَى الدَّالِّ عَلَيْهَا (نَبْلُوهُمْ) أَيْ مِثْلَ هَذَا الِابْتِلَاءِ الْعَظِيمِ نَبْلُوهُمْ.