(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(11)
وَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ هُنَا لِذِكْرِ عَدَاوَتِهِمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ جُعِلَتْ تَوْبَتُهُمْ سَبَبًا لِلْأُخُوَّةِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، بِخِلَافِ مَقَامِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التَّوْبَة: 5] حَيْثُ إِنَّ الْمُعَقَّبَ بِالتَّوْبَةِ هُنَالِكَ هُوَ الْأَمْرُ بِقِتَالِهِمْ وَالتَّرَصُّدِ لَهُمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَى تَوْبَتِهِمْ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِسُوءٍ.
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْآيَتَيْنِ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ تُوجِبُ أَمْنَهُمْ وَأُخُوَّتَهُمْ.
وَمِنْ لَطَائِفِ الْآيَتَيْنِ أَنْ جُعِلَتِ الْأُخُوَّةُ مَذْكُورَةً ثَانِيًا لِأَنَّهَا أَخَصُّ الْفَائِدَتَيْنِ مِنْ تَوْبَتِهِمْ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأُخْتِهَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِخْوانُكُمْ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ.
وَصِيغَ هَذَا الْخَبَرُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ: لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ يَقْتَضِي ثَبَاتَ الْأُخُوَّةِ وَدَوَامَهَا، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ يَعُودُونَ كَالْمُؤْمِنِينَ السَّابِقِينَ مِنْ قَبْلُ فِي أَصْلِ الْأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ.
وَالْإِخْوَانُ جَمْعُ أَخٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَأُطْلِقَتِ الْأُخُوَّةُ هُنَا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالصَّدَاقَةِ.
وَالظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: (فِي الدِّينِ) مَجَازِيَّةٌ: تَشْبِيهًا لِلْمُلَابَسَةِ الْقَوِيَّةِ بِإِحَاطَةِ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ زِيَادَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
(وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِنِ اشْتَرَوْا بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا فَلَيْسُوا مِنْ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فَنُزِّلَ عِلْمُهُمْ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ لِانْعِدَامِ أَثَرِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ، وَفِيهِ نِدَاءٌ عَلَيْهِمْ بِمُسَاوَاتِهِمْ لِغَيْرِ أَهْلِ الْعُقُولِ كَقَوْلِهِ: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) [العنكبوت: 43] .
وَحُذِفَ مَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) لِتَنْزِيلِ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ إِذْ أُرِيدَ بِهِ: لِقَوْمٍ ذَوِي عِلْمٍ وَعَقْلٍ.