فهرس الكتاب

الصفحة 3006 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): الْآيَات 20 إِلَى 21]

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ(20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

كَانَتْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ بِقُرْبِ نَهْيِ آدَمَ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الْقُرْبِ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قُرْبٌ قَرِيبٌ، لِأَنَّ تَعْقِيبَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ.

وَالْوَسْوَسَةُ الْكَلَامُ الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ إِلَّا الْمُدَانِي لِلْمُتَكَلِّمِ.

وَسُمِّيَ إِلْقَاءُ الشَّيْطَانِ وَسْوَسَةً: لِأَنَّهُ أَلْقَى إِلَيْهِمَا تَسْوِيلًا خَفِيًّا مِنْ كَلَامٍ كَلَّمَهُمَا أَوِ انْفِعَالٍ فِي أَنْفُسِهِمَا، كَهَيْئَةِ الْغَاشِّ الْمَاكِرِ إِذْ يُخْفِي كَلَامًا عَنِ الْحَاضِرِينَ كَيْلَا يُفْسِدُوا عَلَيْهِ غِشَّهُ بِفَضْحِ مَضَارِّهِ فَأَلْقَى لَهُمَا كَلَامًا فِي صُورَةِ التَّخَافُتِ لِيُوهِمَهُمَا أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا وَأَنَّهُ يُخَافِتُ الْكَلَامَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى التَّعْبِيرُ عَنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ بِالْقَوْلِ: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى) [طه: 120] ثُمَّ دَرَجَ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ وَكَلَامُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى تَسْمِيَةِ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ خَوَاطِرَ فَاسِدَةً، وَسْوَسَةً تَقْرِيبًا لِمَعْنَى ذَلِكَ الْإِلْقَاءِ لِلْأَفْهَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) [النَّاس: 4] وَهَذَا التّفصيل لِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ كَيْدَهُ انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الْآيَةُ عَنْ آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّ هَذِهِ خِطَابٌ شَامِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَخْلِيَاءُ عَنِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَنَاسَبَ تَفْظِيعَ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ بِمَسْمَعٍ مِنْهُمْ.

وَأسْندَ إبداء السوآت إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمجَاز الْعقلِيّ.

وَعَطْفُ جُمْلَةِ: (وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما) عَلَى جُمْلَةِ (فَوَسْوَسَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ لَهُمَا وَسُوسَةً غَيْرَ قَوْلِهِ: (مَا نَهاكُما إِلَخْ ثُمَّ ثَنَّى وَسْوَسَتَهُ بِأَنْ قَالَ مَا نَهَاكُمَا، وَلَوْ كَانَتْ جُمْلَةُ: مَا نَهاكُما إِلَى آخِرِهَا بَيَانًا لِجُمْلَةِ فَوَسْوَسَ لَكَانَتْ جُمْلَةُ: وَقالَ مَا نَهاكُما بِدُونِ عَاطِفٍ، لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْمُبَيَّنِ.

وَفِي هَذَا الْعَطْفِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ آدَمَ وَزَوْجَهُ تَرَدَّدَا فِي الْأَخْذِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ يُرَاوِدُهُمَا.

أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُهُ فِي (سُورَةِ طه) [120] : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى) .

فَإِنَّ ذَلِكَ حِكَايَةٌ لابتداء وسوسته فابتداء الْوَسْوَسَةَ بِالْإِجْمَالِ فَلَمْ يُعَيِّنْ لِآدَمَ الشَّجَرَةَ الْمَنْهِيَّ عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا اسْتِنْزَالًا لِطَاعَتِهِ، وَاسْتِزْلَالًا لِقَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَأْوِيلِ نَهْيِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا فَقَالَ مَا حُكِيَ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: (مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) الْآيَةَ. فَأَشَارَ إِلَى الشَّجَرَةِ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ مَعْرُوفَةً لَهُمَا زِيَادَةً فِي إِغْرَائِهِمَا بِالْمَعْصِيَةِ بِالْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَدْ وُزِّعَتِ الْوَسْوَسَةُ وتذييلها على السّورتين عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي الِاخْتِصَارِ فِي سَوْقِ الْقَصَصِ اكْتِفَاءً بِالْمَقْصُودِ مِنْ مَغْزَى الْقِصَّةِ لِئَلَّا يَصِيرَ الْقَصَصُ مَقْصِدًا أَصْلِيًّا لِلتَّنْزِيلِ.

وَقَدْ أَوْهَمَ إِبْلِيسُ آدَمَ وَزَوْجَهُ أَنَّهُمَا مُتَمَكِّنَانِ أَنْ يَصِيرَا مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِذَا أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا مِنْ تَدْجِيلِهِ وَتَلْبِيسِهِ إِذْ أَلْفَى آدَمَ وَزَوْجَهُ غَيْرَ مُتَبَصِّرَيْنِ فِي حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا عَالِمَيْنِ الْمِقْدَارَ الْمُمْكِنَ فِي انْقِلَابِ الْأَعْيَانِ وَتَطَوُّرِ الْمَوْجُودَاتِ، وَكَانَا يُشَاهِدَانِ تَفْضِيلَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَزُلْفَاهُمْ وَسَعَةَ مَقْدِرَتِهِمْ، فَأَطْمَعَهُمَا إِبْلِيسُ أَنْ يَصِيرَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِذَا أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ الْبَلِيغُ أَيْ إِلَّا أَنْ تَكُونَا فِي الْقُرْبِ وَالزُّلْفَى كَالْمَلَكَيْنِ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُمَا بِمَا يَعْرِفَانِ مِنْ كَمَالِ الْمَلَائِكَةِ.

(وَقاسَمَهُما) أَيْ حَلَفَ لَهُمَا بِمَا يُوهِمُ صِدْقَهُ، وَالْمُفَاعَلَةُ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ، وَلَيْسَتْ لِحُصُولِ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَنَظِيرُهَا: عَافَاهُ اللَّهُ، وَجَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» : كَأَنَّهُمَا قَالَا لَهُ تُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَأَقْسَمَ فَجُعِلَ طَلَبُهُمَا الْقَسَمَ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَمِ، أَيْ فَتكون المفاعلة مجَازًا، قَالَ أَو أقسم لَهما بالنّصيحة وأقسما لَهُ بقبولها، فَتَكُونُ الْمُفَاعَلَةُ عَلَى بَابِهَا، وَتَأْكِيدُ إِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالنُّصْحِ لَهُمَا بِثَلَاثِ مُؤَكِّدَاتٍ دَلِيلٌ عَلَى مَبْلَغِ شَكِّ آدَمَ وَزَوْجِهِ فِي نُصْحِهِ لَهُمَا، وَمَا رَأَى عَلَيْهِمَا مِنْ مَخَائِلِ التَّرَدُّدِ فِي صِدْقِهِ، وَإِنَّمَا شَكَّا فِي نُصْحِهِ لِأَنَّهُمَا وَجَدَا مَا يَأْمُرُهُمَا مُخَالِفًا لِمَا أَمَرَهُمَا اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمَانِ إِرَادَتَهُ بِهِمَا الْخَيْرَ عِلْمًا حَاصِلًا بِالْفِطْرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت