فهرس الكتاب

الصفحة 1940 من 4110

[سُورَة النِّسَاء(4): آيَة 102]

(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا(102)

وَفِي نَظْمِ الْآيَةِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: «فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» عُلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ طَائِفَةً أُخْرَى، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) لِلطَّائِفَةِ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهَا، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ قَوْلِهِ: (فَإِذا سَجَدُوا) لِلطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَ النَّبِيءِ، لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ مَعِيَّةُ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالَ: (فَإِذا سَجَدُوا) .

وَضَمِيرُ قَوْلِهِ: (فَلْيَكُونُوا) لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْمُقَابَلَةِ، لِظُهُورِ أَنَّ الْجَوَابَ وَهُوَ (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ) مُتَعَيِّنٌ لِفِعْلِ الطَّائِفَةِ الْمُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ.

وَقَوْلُهُ: (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى) هَذِهِ هِيَ الْمُقَابِلَةُ لِقَوْلِهِ: (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) .

وَقَدْ أَجْمَلَتِ الْآيَةُ مَا تَصْنَعُهُ كُلُّ طَائِفَةٍ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ.

وَلَكِنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ قَالَ: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) .

فَجَعَلَهُمْ تَابِعِينَ لِصَلَاتِهِ، وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ صَلَاتَهُ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً مُسْتَقِلَّةً لَقَالَ تَعَالَى فَلْتُصَلِّ بِهِمْ.

وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتِمًّا لِلصَّلَاةِ غَيْرَ مُقَصِّرٍ، أَوْ يَكُونُ صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَبِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ صَلَاةً: نَافِلَةً لَهُ، فَرِيضَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَسَنُ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) اسْتُعْمِلَ الْأَخْذُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ: لِأَنَّ أَخْذَ الْحَذَرِ مَجَازٌ، إِذْ حَقِيقَةُ الْأَخْذِ التَّنَاوُلُ، وَهُوَ مُجَازٌ فِي التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ.

وَأَخْذُ الْأَسْلِحَةِ حَقِيقَةٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [الْحَشْر: 9] ،

فَإِنَّ تَبَوُّأَ الْإِيمَانِ الدُّخُولُ فِيهِ وَالِاتِّصَافُ بِهِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْكُفْرِ.

وَجَاءَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا أَسْلِحَتَكُمْ، لِأَنَّ أَخْذَ السِّلَاحِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ.

وَالْمَيْلُ: الْعُدُولُ عَنِ الْوَسَطِ إِلَى الطَّرَفِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعُدُولِ عَنْ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَمَا هُنَا، أَيْ فَيَعْدِلُونَ عَنْ مُعَسْكَرِهِمْ إِلَى جَيْشِكُمْ.

وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَيْلِ هُنَا الْكَرَّ وَالشَّدَّ، عُدِّيَ بِـ (عَلَى) ، أَيْ فَيَشُدُّونَ عَلَيْكُمْ فِي حَالِ غَفْلَتِكُمْ.

وَانْتَصَبَ (مَيْلَةً) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِبَيَانِ الْعَدَدِ، أَيْ شِدَّةً مُفْرَدَةً.

وَاسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ الْمَرَّةِ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الشَّدِيدَ الْقَوِيَّ يَأْتِي بِالْغَرَضِ مِنْهُ سَرِيعًا دُونَ مُعَاوَدَةِ عِلَاجٍ، فَلَا يَتَكَرَّرُ الْفِعْلُ لِتَحْصِيلِ الْغَرَضِ، وَأَكَّدَ مَعْنَى الْمَرَّةِ الْمُسْتَفَادَ مِنْ صِيغَةِ فَعْلَةٍ بِقَوْلِهِ: (واحِدَةً) تَنْبِيهًا عَلَى قَصْدِ مَعْنَى الْكِنَايَةِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَصْدَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: (فَيَمِيلُونَ) .

وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) تَذْيِيلٌ لِتَشْجِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِأَخْذِ السِّلَاحِ وَالْحَذَرِ، خِيفَ أَنْ تَثُورَ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ مَخَافَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ مِنْ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ مِنْهُ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا، وَهُوَ عَذَابُ الْهَزِيمَةِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) [التَّوْبَة: 14] ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْحَذَرِ وَالسِّلَاحِ إِلَّا لِتَحْقِيقِ أَسْبَابِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ.

وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوا الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ أَسْبَابِهَا، أَيْ إِنْ أَخَذْتُمْ حِذْرَكُمْ أَمِنْتُمْ من عدوّكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت