فهرس الكتاب

الصفحة 2422 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 1]

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)

جُمْلَةُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ اللَّهِ تَعَالَى الْحَمْدَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ.

وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، فَدَلَّتْ عَلَى انْحِصَارِ اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْجِنْسِ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَجُمْلَةَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) هُنَا خَبَرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَصْرِفُ إِلَى قَصْدِ إِنْشَاءِ الْحَمْدِ بِخِلَافِ مَا فِي (سُورَةِ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الْفَاتِحَة: 5] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

فَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّ الْحَمْدَ كُلَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا قَصْرٌ إِضَافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا الْأَصْنَامَ عَلَى مَا تَخَيَّلُوهُ مِنْ إِسْدَائِهَا إِلَيْهِمْ نِعَمًا وَنَصْرًا وَتَفْرِيجَ كُرُبَاتٍ.

فَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ انْتَصَرَ هُوَ وَفَرِيقُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا عَلَى مَعْنَى الْكَمَالِ وَأَنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ تَعَالَى مِنَ الْمُنْعِمِينَ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاسِطَةٌ صُورِيَّةٌ لِجَرَيَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى يَدَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ هُوَ، وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ الصُّورِيَّ بَلْهَ الْحَقِيقِيَّ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَام - «لم نعْبد مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا» .

وَلِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ الْحَمْدِ عَلَى عَظِيمِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِجُمْلَةِ (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) .

وَالْمَوْصُولُ، فِي مَحَلِّ الصِّفَةِ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ، أَفَادَ مَعَ صِلَتِهِ التَّذْكِيرَ بِعَظِيمِ صِفَةِ الْخَلْقِ الَّذِي عَمَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ.

وَذَلِكَ أَوْجَزُ لَفْظٍ فِي اسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَجَمَعَ: السَّماواتِ لِأَنَّهَا عَوَالِمُ كَثِيرَةٌ، إِذْ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنْهَا عَالَمٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي الْقُرْآنِ بِالسَّمَاوَاتِ السَّبْعِ فِيمَا نَرَى.

وَأَفْرَدَ الْأَرْضَ لِأَنَّهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ، وَلذَلِك لم يَجِئ لَفْظُ الْأَرْضِ فِي الْقُرْآنِ جَمْعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت