فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 43]

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)

قَوْلُهُ: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) إِلَخْ أَمْرٌ بِأَعْظَمِ الْقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِإِجَابَتِهِمْ وَامْتِثَالِهِمْ لِلْأَوَامِرِ السَّالِفَةِ وَأَنَّهُمْ كَمُلَتْ لَهُمُ الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ.

وَفِي هَذَا الْأَمْرِ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدٌ قَلْبِيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا النُّطْقُ، وَالنُّطْقُ اللِّسَانِيُّ أَمْرٌ سَهْلٌ قَدْ يَقْتَحِمُهُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا غُلُوٍّ فِي دِينِهِ فَلَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلَامٍ يُخَالِفُ الدِّينَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ مَدْلُولَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) [الْبَقَرَة: 14] الْآيَةَ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْأَوْلَى عَمَلٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْخَالِقِ وَالسُّجُودِ إِلَيْهِ وَخَلْعِ الْآلِهَةِ، وَمِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ لَا يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُ لِأَنَّهُ يَغِيظُ آلِهَتَهُ بِالْفِعْلِ وَبِقَوْلِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا يَفْعَلُهُ الْكِتَابِيُّ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ عِبَادَتَهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنْفَاقُ الْمَالِ وَهُوَ عَزِيزٌ عَلَى النَّفْسِ فَلَا يَبْذُلُهُ الْمَرْءُ فِي غَيْرِ مَا يَنْفَعُهُ إِلَّا عَنِ اعْتِقَادِ نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ يُنْفَقُ عَلَى الْعَدُوِّ فِي الدِّينِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الْأَمْرَ بِالْإِيمَانِ بِالْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَجَشَّمُهُمَا إِلَّا مُؤْمِنٌ صَادِقٌ.

وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْمُنَافِقِينَ (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى) [النِّسَاء: 142] وَقَوْلُهُ: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) [الماعون: 4، 5]

وَفِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.

وَقَوْلُهُ: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ لِلْيَهُودِ صَلَاةً لَا رُكُوعَ فِيهَا فَلِكَيْ لَا يَقُولُوا إِنَّنَا نُقِيمُ صَلَاتَنَا دَفَعَ هَذَا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) .

وَقَوْلُهُ: (مَعَ الرَّاكِعِينَ) إِيمَاءٌ إِلَى وجوب ممثالة الْمُسْلِمِينَ فِي أَدَاءِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْمَفْرُوضَةِ فَالْمُرَادُ بِالرَّاكِعِينَ الْمُسْلِمُونَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ بأركانها وشرائطها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت