فهرس الكتاب

الصفحة 3407 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 185]

(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(185)

تَرَقٍّ فِي الْإِنْكَارِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي حَالِ رَسُولِهِمْ إِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِيمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعَمُّ، وَهُوَ ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا هُوَ آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي دعاهم الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهَا.

وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ: أَنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِبْطَالِ الشِّرْكِ هُوَ مِنْ أَكْبَرِ بَوَاعِثِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ) [ص: 5] .

وَعُدِّيَ فِعْلُ (النَّظَرِ) إِلَى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّأَمُّلُ بِتَدَبُّرٍ، وَهُوَ التَّفَكُّرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21] وَتَقُولُ نَظَرْتُ فِي شَأْنِي، فَدَلَّ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّفَكُّرَ عَمِيقٌ مُتَغَلْغِلٌ فِي أَصْنَافِ الْمَوْجُودَاتِ وَهِيَ ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ.

وَالْمَلَكُوتُ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ.

وَإِضَافَتُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بَيَانِيَّةٌ أَيِ الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَيْ مُلْكُ اللَّهِ لَهُمَا، فَالْمُرَادُ السَّمَاءُ بِمَجْمُوعِهَا وَالْأَرْضُ بِمَجْمُوعِهَا الدَّالَّيْنِ عَلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَعَطَفَ (وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) عَلَى (مَلَكُوتِ) فَقَسَّمَ النَّظَرَ إِلَى نَظَرٍ فِي عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى نَظَرٍ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَدَقَائِقِ أَحْوَالِهَا الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالنَّظَرُ إِلَى عَظمَة السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْحَقِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالصُّنْعِ فَهُوَ الْحَقِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ، فَلَوْ نَظَرُوا فِي ذَلِكَ نَظَرَ اعْتِبَارٍ لَعَلِمُوا أَنْ صَانِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلَزَالَ إِنْكَارُهُمْ دَعْوَةَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) وَالْمَعْنَى أَلَمْ يَنْظُرُوا فِي تَوَقُّعٍ قُرْبِ أَجَلِهِمْ.

وَصِيغَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا النَّظْمِ لِإِفَادَةِ تَهْوِيلِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَتَخْوِيفِهِمْ، بِجَعْلِ مُتَعَلِّقٍ النَّظَرِ مِنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْطُرَ فِي النُّفُوسِ، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَدِيثًا وَخَبَرًا فَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُسَلَّمٌ مُقَرَّرٌ.

وَمَعْنَى النَّظَرِ فِي تَوَقُّعِ اقْتِرَابِ الْأَجَلِ، التَّخَوُّفُ مِنْ ذَلِكَ.

وَالْأَجَلُ الْمُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُكَذِّبِينَ هُوَ أَجَلُ الْأُمَّةِ لَا أَجَلُ الْأَفْرَادِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ تَهْدِيدٌ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ، نَبَّهَهُمْ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي تَوَقُّعِ حُلُولِ الِاسْتِئْصَالِ بِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ كَمَا هَلَكَ الْمُكَذِّبُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ مَجِيءَ السَّاعَةِ، وَانْقِرَاضَ هَذَا الْعَالَمِ، فَهُوَ أَجَلُهُمْ وَأَجَلُ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ فَيَكُونُ تَخْوِيفًا مِنْ يَوْمِ الْجَزَاءِ.

وَمِنْ بَدِيعِ نَظْمِ هَذِهِ الْآيَاتِ: أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ التَّبَصُّرُ وَالتَّفَكُّرُ فِي ثُبُوتِ الْحَقَائِقِ وَالنَّسَبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جِيءَ مَعَ فِعْلَيِ الْقَلْبِ بِصِيغَةِ الْقَضِيَّةِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) وَقَوْلِهِ: (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)

وَلَمَّا أُرِيدَ التَّبَصُّرُ وَالتَّفَكُّرُ فِي صِفَاتِ الذَّاتِ جُعِلَ فِعْلُ الْقَلْبِ مُتَعَلِّقًا بِأَسْمَاءِ الذَّوَاتِ فِي قَوْلِهِ: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) .

ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ تَوْبِيخَهُمْ وَالْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ بطريقة الِاسْتِفْهَام التعجيبي الْمُفِيدِ لِلِاسْتِبْعَادِ بِقَوْلِهِ: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فَهُوَ تَعْجِيبٌ مَشُوبٌ بِاسْتِبْعَادٍ لِلْإِيمَانِ بِمَا أَبْلَغَ إِلَيْهِمُ اللَّهُ بِلِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَا نَصَبَ لَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ فِي أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَدْ بَلَغَ مُنْتَهَى الْبَيَانِ قَوْلًا وَدَلَالَةً بِحَيْثُ لَا مَطْمَعَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَدَلَّ مِنْهُ.

وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ.

وَحَقِيقَةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الْخَبَرُ وَالْقِصَّةُ الْحَادِثَةُ (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) [الذاريات: 24] وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصِيرَ حَدِيثًا وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ.

ف «الحَدِيث» هُنَا إِنْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَجَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ دَعْوَى مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّسَالَةَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) [الْأَعْرَاف: 184] .

وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ شَمَلَ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ مِنْ دَلَائِلِ الْمَصْنُوعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ) [الجاثية: 6]

فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (بَعْدَهُ) عَائِدًا عَلَى مَعْنَى الْمَذْكُورِ أَيْ مَا ذُكِرَ من ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، وَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِتَأْوِيلِهِ بِالْمَذْكُورِ.

أَيْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا لَهُ فَلَا يُرْجَى مِنْهُمْ إِيمَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت