(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27) بَلْ بَدا لَهُمْ مَا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28)
و (وُقِفُوا) مَاضٍ لَفْظًا وَالْمَعْنَى بِهِ الِاسْتِقْبَالُ، أَيْ إِذْ يُوقَفُونَ.
وَجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لَا خِلَافَ فِي خَبَرِهِ.
وَمَعْنَى: (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) أُبْلِغُوا إِلَيْهَا بَعْدَ سَيْرٍ إِلَيْهَا، وَهُوَ يَتَعَدَّى بِـ (عَلَى) .
وَالِاسْتِعْلَاءُ الْمُسْتَفَادُ بِـ (عَلَى) مَجَازِيٌّ مَعْنَاهُ قُوَّةُ الِاتِّصَالِ بِالْمَكَانِ، فَلَا تَدُلُّ (عَلَى) عَلَى أَنَّ وُقُوفَهُمْ عَلَى النَّارِ كَانَ مِنْ أَعْلَى النَّارِ.
وَعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأَنَّ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ جَزَاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإِلْهَامٍ أَوْقَعَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ أَوْ بِإِخْبَارِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أَنْ يَرْجِعُوا.
وَحَرْفُ النِّدَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: (يَا لَيْتَنا) نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحَسُّرِ، لِأَنَّ النِّدَاءَ يَقْتَضِي بُعْدَ الْمُنَادَى، فَاسْتُعْمِلَ فِي التَّحَسُّرِ لِأَنَّ الْمُتَمَنَّى صَارَ بَعِيدًا عَنْهُمْ، أَيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [الزمر: 56] .
وَمَعْنَى (نُرَدُّ) نَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا.
وَالرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا تَمَنَّوْهُ لِمَا يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَتَرْكِ التَّكْذِيبِ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ فِي الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُتَمَنَّى عَلَى اعْتِبَارِ الْوَاوِ لِلْمَعِيَّةِ وَاقِعَةً مَوْقِعَ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ فِي جَوَابِ التَّمَنِّي.
وَقَوْلُهُ: (بَلْ بَدا لَهُمْ مَا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) إِضْرَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ (وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
وَالْمَعْنَى بَلْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَطْمَعٌ فِي الْخَلَاصِ.
وَبَدَا الشَّيْءُ ظَهَرَ.
وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي زَوَالِ الشَّكِّ فِي الشَّيْءِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) ارْتِقَاءٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ حَتَّى يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ فِي الْمُنَاظَرَةِ، أَيْ لَوْ أُجِيبَتْ أُمْنِيَّتُهُمْ وَرُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا لَعَادُوا لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ النَّبِيءُ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَهُوَ التَّكْذِيبُ وَإِنْكَارُ الْبَعْثِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نُفُوسَهُمُ الَّتِي كَذَّبَتْ فِيمَا مَضَى تَكْذِيبَ مُكَابَرَةٍ بَعْدَ إِتْيَانِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، هِيَ النُّفُوسُ الَّتِي أُرْجِعَتْ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْبَعْثِ فَالْعَقْلُ الْعَقْلُ وَالتَّفْكِيرُ التَّفْكِيرُ، وَإِنَّمَا تَمَنَّوْا مَا تَمَنَّوْا مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ فَتَوَهَّمُوا التَّخَلُّصَ مِنْهُ بِهَذَا التَّمَنِّي فَلَوْ تَحَقَّقَ تَمَنِّيهِمْ وَرُدُّوا وَاسْتَرَاحُوا مِنْ ذَلِكَ الْهَوْلِ لَغَلَبَتْ أَهْوَاؤُهُمْ رُشْدَهُمْ فَنَسُوا مَا حَلَّ بِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى مَا أَلِفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ وَالْمُكَابَرَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) تَذْيِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ.
جِيءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، أَيْ أَنَّ الْكَذِبَ سَجِيَّةٌ لَهُمْ قَدْ تَطَبَّعُوا عَلَيْهَا مِنَ الدُّنْيَا فَلَا عَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الرُّجُوعَ لِيُؤْمِنُوا فَلَوْ رَجَعُوا لَعَادُوا لَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَذِبَ سَجِيَّتُهُمْ.
وَقَدْ تَضَمَّنَ تَمَنِّيهِمْ وَعْدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ إِدْخَالُهُ فِي حُكْمِ كَذِبِهِمْ دُخُولَ الْخَاصِّ فِي الْعَامِّ، لِأَنَّ التَّذْيِيلَ يُؤْذِنُ بِشُمُولِ مَا ذُيِّلَ بِهِ وَزِيَادَةٌ.
فَلَيْسَ وَصْفُهُمْ بِالْكَذِبِ بِعَائِدٍ إِلَى التَّمَنِّي بَلْ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْوَعْدِ بِالْإِيمَانِ وَعَدَمِ التَّكْذِيبِ بآيَات الله.