فهرس الكتاب
(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273)
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا) أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ التِّجَارَةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ، وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ كِنَايَةٌ عَنِ التَّجَرِ لِأَنَّ شَأْنَ التَّاجِرِ أَنْ يُسَافِرَ لِيَبْتَاعَ وَيَبِيعَ فَهُوَ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِرِجْلَيْهِ أَوْ دَابَّتِهِ.
وَالتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ الْعَفَافِ وَهُوَ النَّزَاهَةُ عَمًّا يَلِيقُ.
وَقَوْلُهُ: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ) بَيَانًا ثَانِيًا، لِكَيْفِيَّةِ حُسْبَانِهِمْ أَغْنِيَاءَ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ.
وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ تَقْدِيمَهُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ أُخِّرَ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا سبقه من الحقّ عَلَى تَوَسُّمِ احتياجهم بأنّهم محصرون لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ.
فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ لَمْ يُغَادِرِ الْقُرْآنُ شَيْئًا مِنَ الْحَثِّ عَلَى إِبْلَاغِ الصَّدَقَاتِ إِلَى أَيْدِي الْفُقَرَاءِ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ بِهِ، وَأَظْهَرَ بِهِ مَزِيدَ الِاعْتِنَاءِ.
وَالْإِلْحَافُ الْإِلْحَاحُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَنُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ ضَمِيرِ يَسْأَلُونَ بِتَأْوِيلِ مُلْحِفِينَ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهُمُ السُّؤَالُ الْمُقَيَّدُ بِالْإِلْحَافِ أوِ الْمُقَيَّدُونَ فِيهِ بِأَنَّهُمْ مُلْحِفُونَ - وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ نَفْيَ صُدُورِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُمْ - مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ أَصْلًا، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الزَّجَاجُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ السُّؤَالِ وَنَفْيُ الْإِلْحَافِ مَعًا كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
يُرِيدُ نَفْيَ الْمَنَارِ وَالِاهْتِدَاءِ، وَقَرِينَةُ هَذَا الْمَقْصُودِ أَنَّهُمْ وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ يُحْسَبُونَ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) [غَافِر: 18] أَيْ لَا شَفِيعَ أَصْلًا، ثُمَّ حَيْثُ لَا شَفِيعَ فَلَا إِطَاعَةَ، فَأَنْتَجَ لَا شَفِيعَ يُطَاعُ، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي نَفْيِ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ كَنَفْيِهِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ وَجَعَلُوهُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْكِنَايَةِ.