(وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ(59)
وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَالْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ وَاسْتِئْثَارٍ وَلَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مَكَانٍ.
وَالْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَهُوَ الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا الْمُغْلَقُ، وَتُسَمَّى الْمِفْتَاحُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِفْتَحَ أَفْصَحُ مِنْ مِفْتَاحٍ، قَالَ تَعَالَى: (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [الْقَصَص: 76] .
وَالْغَيْبُ مَا غَابَ عَلَى عِلْمِ النَّاسِ بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ، وَذَلِكَ يَشْمَل الْأَعْيَان لمغيّبة كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَالْأَعْرَاضَ الْخَفِيَّةَ، وَمَوَاقِيتَ الْأَشْيَاءِ.
ومَفاتِحُ الْغَيْبِ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تَنْبَنِي عَلَى مَكْنِيَّةٍ بِأَنْ شُبِّهَتِ الْأُمُورُ الْمُغَيَّبَةُ عَنِ النَّاسِ بِالْمَتَاعِ النَّفِيسِ الَّذِي يُدَّخَرُ بِالْمَخَازِنِ وَالْخَزَائِنِ الْمُسْتَوْثَقِ عَلَيْهَا بِأَقْفَالٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا إِلَّا الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِحُهَا.
وَأُثْبِتَتْ لَهَا الْمَفَاتِحُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
وَالْقَرِينَةُ هِيَ إِضَافَةُ الْمَفَاتِحِ إِلَى الْغَيْبِ، فَقَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: عِنْدَهُ عَلِمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.
وَمَفَاتِحُ الْغَيْبِ جَمْعٌ مُضَافٌ يَعُمُّ كُلَّ الْمُغَيَّبَاتِ، لِأَنَّ عِلْمَهَا كُلَّهَا خَاصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي لَهَا أَمَارَاتٌ مِثْلُ أَمَارَاتِ الْأَنْوَاءِ وَعَلَامَاتِ الْأَمْرَاضِ عِنْدَ الطَّبِيبِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنَ الْغَيْبِ بَلْ مِنْ أُمُورِ الشَّهَادَةِ الْغَامِضَةِ.
وَغُمُوضُهَا مُتَفَاوِتٌ وَالنَّاسُ فِي التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا مُتَفَاوِتُونَ وَمَعْرِفَتُهُمْ بِهَا مِنْ قَبِيلِ الظَّنِّ لَا مِنْ قَبِيلِ الْيَقِينِ فَلَا تُسَمَّى عِلْمًا.
وَقِيلَ: الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - وَهُوَ الْبَيْتُ أَوِ الْمَخْزَنُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنَّ يُغْلَقَ عَلَى مَا فِيهِ ثُمَّ يُفْتَحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا فِيهِ، وَنُقِلَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ، فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً مُصَرَّحَةً وَالْمُشَبَّهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالْغَيْبِ شُبِّهَ فِي إِحَاطَتِهِ وَحَجْبِهِ المغيّبات بِبَيْت الخزم تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.
وَمَعْنَى: (لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) أَيْ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَأَمَّا مَا أَطْلَعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الْجِنّ: 26] فَذَلِكَ عِلْمٌ يَحْصُلُ لِمَنْ أَطْلَعَهُ بِإِخْبَارٍ مِنْهُ فَكَانَ رَاجِعًا إِلَى عِلْمِهِ هُوَ.
وَذَكَرَ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ لِقَصْدِ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ مَا حَوَتْهُ هَذِهِ الْكُرَةُ، لِأَنَّ الْبَرَّ هُوَ سَطْحُ الْأَرْضِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ الْحَيَوَانُ غَيْرَ سَابِحٍ، وَالْبَحْرَ هُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مِلْحًا أَمْ عَذْبًا.
وَقَوْلُهُ: (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (إِلَّا يَعْلَمُها) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ الْكِتَابُ حَقِيقَةً أَمْ مَجَازًا عَنِ الضَّبْطِ وَعَدَمِ التَّبْدِيلِ.
وَحَسَّنَ هَذَا التَّأْكِيدَ تَجْدِيدُ الْمَعْنَى لِبُعْدِ الْأَوَّلِ بِالْمَعْطُوفَاتِ وَصِفَاتِهَا، وَأُعِيدَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى تَفَنُّنًا.
وَقَدْ عُلِمَ مَنْ هَاتِهِ الْآيَاتِ عُمُومُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَمَا أَعْلَنَهُ إِلَّا الْقُرْآنُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الْبَقَرَة: 29] .
وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ خَاصَّةً وَلَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، زَعْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عَنِ التَّجَزِّي فَهُمْ أَثْبَتُوا صِفَةَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِجُزْئِيَّاتِ الْمَوْجُودَاتِ.