فهرس الكتاب

الصفحة 3681 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 7]

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7)

وَالِاسْتِفْهَامُ بِـ (كَيْفَ) إِنْكَارِيٌّ إِنْكَارًا لِحَالَةِ كِيَانِ الْعَهْدِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيْ دَوَامُ الْعَهْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ الَّذِينَ عَاهَدُوهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا بَعْدَهُ فَفِعْلَ يَكُونُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الدَّوَامِ.

وَلَيْسَ ذَلِكَ إِنْكَارًا عَلَى وُقُوعِ الْعَهْدِ، فَإِنَّ الْعَهْدَ قَدِ انْعَقَدَ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الْفَتْح: 1] وسمّي رضى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ يَوْمَئِذٍ سَكِينَةً فِي قَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) [الْفَتْح: 4] .

وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّأْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَكُمْ عَهْدٌ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ، لِلْبَوْنِ الْعَظِيمِ بَيْنَ دِينِ التَّوْحِيدِ وَدِينِ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفَاقُ أَهْلَيْهِمَا، أَيْ فَمَا كَانَ الْعَهْدُ الْمُنْعَقِدُ مَعَهُمْ إِلَّا أَمْرًا مُوَقَّتًا بِمَصْلَحَةٍ.

فَفِي وَصْفِهِمْ بِالْمُشْرِكِينَ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الْإِنْكَارِ عَلَى دَوَامِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ.

وَمَعْنَى (عِنْدَ) الِاسْتِقْرَارُ الْمَجَازِيُّ، بِمَعْنَى الدَّوَامِ أَيْ إِنَّمَا هُوَ عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عَاهَدُوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، إِذْ أَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ وَالرِّجَالِ عَلَى خُزَاعَةَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ دَاخِلَةً فِي عَهْدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ التَّجْهِيزِ لِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ.

وَالَّذِينَ عَاهَدُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: هُمْ بَنُو ضَمْرَةَ، وَبَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ الدِّيلِ، مِنْ كِنَانَةَ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ كِنَانَةَ.

فَالْمَوْصُولُ هُنَا لِلْعَهْدِ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ: التَّنْوِيهُ بِخَصْلَةِ وَفَائِهِمْ بِمَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَدَخَلُوا فِي الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ مَعَ قُرَيْشٍ بِخُصُوصِهِمْ، زِيَادَةً عَلَى دُخُولِهِمْ فِي الصُّلْحِ الْأَعَمِّ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَهُمْ، وَلَا ظَاهَرُوا عَدُوًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِلَى وَقْتِ نُزُولِ بَرَاءَةٌ.

عَلَى أَنَّ مُعَاهَدَتَهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَبْعَدُ عَنْ مَظِنَّةِ النَّكْثِ لِأَنَّ الْمُعَاهَدَةَ عِنْدَهُ أَوْقَعُ فِي نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْحَلِفِ الْمُجَرَّدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهُمْ لَا أَيْمانَ لَهُمْ) [التَّوْبَة: 12] .

وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ مَنْ عَاهَدَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ الْمُتَوَهِّمُ، لِأَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِأَنْ يُعَاهِدَ فَرِيقًا آخَرَ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ لِعَهْدِهِمْ حُرْمَةً زَائِدَةً لِوُقُوعِهِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حول الْكَعْبَة.

وَالِاسْتِقَامَةُ: حَقِيقَتُهَا عَدَمُ الِاعْوِجَاجِ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ اسْتَجَابَ واستحبّ، وَإِذَا قَامَ الشَّيْءُ انْطَلَقَتْ قَامَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْوِجَاجٌ، وَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ، لِأَنَّ سُوءَ الْمُعَامَلَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِالْتِوَاءُ وَالِاعْوِجَاجُ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى ضِدِّهِ الِاسْتِقَامَةُ.

وَجُمْلَةُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِقَامَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت