فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): الْآيَات 58 إِلَى 59]

(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59)

هَذَا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى مُكِّنُوا مِنْهَا فَمَا أَحْسَنُوا قَبُولَهَا وَلَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَحُرِمُوا مِنْهَا إِلَى حِينٍ وَعُوقِبَ الَّذِينَ كَانُوا السَّبَبَ فِي عَدَمِ قَبُولِهَا.

وَفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنَانٌ عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهُمْ لِأَنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَإِثَارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلَى مَا فَاتَ أَسْلَافَهُمْ وَمَا لَقُوهُ مِنْ جَرَّاءِ إِعْجَابِهِمْ بِآرَائِهِمْ، وَمَوْعِظَةٌ لَهُمْ أَنْ لَا يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ كُلَّمَا صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نَالَتْهُمُ الْمَصَائِبُ.

قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا.

وَلِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا عَنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ اخْتُصِرَ فِيهَا الْكَلَامُ اخْتِصَارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا حَيَارَى، فَسَلَكُوا طَرَائِقَ فِي انْتِزَاعِ تَفْصِيلِ الْمَعْنَى مِنْ مُجْمَلِهَا فَمَا أَتَوْا عَلَى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وَكُنْتَ تَجِدُ أَقْوَالَهُمْ هُنَا إِذَا الْتَأَمَ بَعْضُهَا بِنَظْمِ الْآيَةِ لَا يَلْتَئِمُ بَعْضُهُ الْآخَرُ، وَرُبَّمَا خَالَفَ جَمِيعُهَا مَا وَقع فِي أَيَّام أُخَرَ.

وَقَوْلُهُ: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) وَعْدٌ بِالزِّيَادَةِ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ (نَزِيدُ) .

(فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ)

وَإِنَّمَا جُعِلَ مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ أَرْضِيٌّ مِنْ عَدْوَى أَوْ نَحْوِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ رَمَتْهُمْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ بِأَنْ أُلْقِيَتْ عَنَاصِرُهُ وَجَرَاثِيمُهُ عَلَيْهِمْ فَأُصِيبُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.

وَلِأَجْلِ هَذَا خُصَّ التَّبْدِيلُ بِفَرِيقٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ وَبِتِلْكَ الصِّلَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ جَمِيعِ الْقَوْمِ أَوْ مُعْظَمِهِمْ لِأَنَّ الْآيَةَ تَذْكِيرٌ لِلْيَهُودِ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهُمْ مِنْ حَوَادِثِهِمْ.

وَإِنَّمَا جَاءَ بِالظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: (فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا) وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الرِّجْزَ عَمَّ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبِذَلِكَ تَنْطَبِقُ الْآيَةُ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ التَّوْرَاةُ تَمَامَ الِانْطِبَاقِ.

وَتَبْدِيلُ الْقَوْلِ تَبْدِيلُ جَمِيعِ مَا قَالَهُ اللَّهُ لَهُمْ وَمَا حَدَّثَهُمُ النَّاسُ عَنْ حَالِ الْقَرْيَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ هَذَا بَنَى فِعْلَ (قِيلَ) إِلَى الْمَجْهُول إيجازا.

وَفَائِدَةُ إِظْهَارِ لَفْظِ الْقَوْلِ دُونَ أَنْ يُقَالَ فَبَدَّلُوهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا لَفْظَ حِطَّةٍ خَاصَّةً وَامْتَثَلُوا مَا عَدَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ هَيِّنًا.

وَقَوْلُهُ: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) وَقَوْلُهُ: (فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) اعْتَنَى فِيهِمَا بِالْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الرِّجْزَ خَصَّ الَّذِينَ بَدَّلُوا الْقَوْلَ وَهُمُ الْعَشَرَةُ الَّذِينَ أَشَاعُوا مَذَمَّةَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ فِي شَقَاءِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ.

وَفِي هَذَا مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ مَنْ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِإِرْشَادِ قَوْمٍ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَا يَأْتِي وَيَذَرُ وَعِلْمٍ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا، وَفِي الْمَثَلِ «عَلَى أَهْلِهَا تَجْنِي بَرَاقِشُ» وَهِيَ اسْمُ كَلْبَةِ قَوْمٍ كَانَتْ تَحْرُسُهُمْ بِاللَّيْلِ فَدَلَّ نَبْحُهَا أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ فَاسْتَأْصَلُوهُمْ فَضربت مثلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت