فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 230]

(فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230)

وَقَوْلُهُ: (فَلا تَحِلُّ لَهُ) أَيْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ: (مِنْ بَعْدُ) أَيْ مِنْ بَعْدِ ثَلَاثِ تطليقاتٍ تَسْجِيلًا عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَإِيمَاءً إِلَى عِلَّةَ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ تَهَاوُنُ الْمُطَلِّقِ بِشَأْنِ امْرَأَتِهِ، وَاسْتِخْفَافُهُ بِحَقِّ الْمُعَاشَرَةِ، حَتَّى جَعَلَهَا لعبة تقلبها عواصف غَضَبِهِ وَحَمَاقَتُهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَهُ (مِنْ بَعْدُ) عَلِمَ الْمُطَلِّقُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ فِي أَحْوَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أَنَّ تَعْقِدَ عَلَى زَوْجٍ آخَرَ، لِأَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا الْعَقْدُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ أَرَ لَهُمْ إِطْلَاقًا آخَرَ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مجَازًا، وأيا مَا كَانَ إِطْلَاقُهُ فِي الْكَلَامِ فَالْمُرَادُ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ الْعَقْدُ بِدَلِيلِ إِسْنَادِهِ إِلَى الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَى الْمُدَّعُونَ أَنَّهُ مِنْ مَعَانِي النِّكَاحِ بِالِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ أَعْنِي الْمَسِيسَ، لَا يُسْنَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلْمَرْأَةِ أَصْلًا، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ غَفَلُوا عَنْهَا فِي الْمَقَامِ.

وَحِكْمَةُ هَذَا التَّشْرِيعِ الْعَظِيمِ رَدْعُ الْأَزْوَاجِ عَنِ الِاسْتِخْفَافِ بِحُقُوقِ أَزْوَاجِهِمْ، وَجَعْلُهُنَّ لُعَبًا فِي بُيُوتِهِمْ، فَجَعَلَ لِلزَّوْجِ الطَّلْقَةَ الْأُولَى هَفْوَةً، وَالثَّانِيَةَ تَجْرِبَةً، وَالثَّالِثَةَ فِرَاقًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ مُوسَى وَالْخَضِرِ:

«فَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا وَالثَّانِيَةُ شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ الْخضر فِي الثَّالِث (هَذَا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الْكَهْف: 78] .

وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ عَلَى الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ حُكْمَيْنِ وَهَمَا سَلْبُ الزَّوْج حق الرّجْعَة، بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ، وَسَلْبُ الْمَرْأَةِ حَقَّ الرِّضَا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ إِلَّا بعد زوج، وَاشْتِرَاط التَّزَوُّجَ بِزَوْجٍ ثَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ لِقَصْدِ تَحْذِيرِ الْأَزْوَاجِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، إِلَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّرَيُّثِ، الَّذِي لَا يَبْقَى بَعْدَهُ رَجَاءٌ فِي حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، لِلْعِلْمِ بِحُرْمَةِ الْعَوْدِ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، فَهُوَ عِقَابٌ لِلْأَزْوَاجِ الْمُسْتَخِفِّينَ بِحُقُوقِ الْمَرْأَةِ، إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثًا، بِعُقُوبَةٍ تَرْجِعُ إِلَى إِيلَامِ الْوِجْدَانِ، لِمَا ارْتَكَزَ

فِي النُّفُوسِ مِنْ شِدَّةِ النَّفْرَةِ مِنِ اقْتِرَانِ امْرَأَتِهِ بِرَجُلٍ آخَرَ، وَيَنْشُدُهُ حَالَ الْمَرْأَةِ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ:

وَفِي النَّاسِ إِنْ رَثَّتْ حِبَالُكَ وَاصِلٌ ... وَفِي الْأَرْضِ عَنْ دَارِ الْقِلَى مُتَحَوَّلُ

وَفِي الطِّيبِيِّ قَالَ الزَّجَّاجُ: «إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمَا التَّزَوُّجَ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِئَلَّا يُعَجِّلُوا وَأَنْ يُثْبِتُوا» وَقَدْ عَلِمَ السَّامِعُونَ أَنَّ اشْتِرَاطَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ هُوَ تَرْبِيَةٌ لِلْمُطَلِّقِينَ، فَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النِّكَاحِ فِي الْآيَةِ حَقِيقَتَهُ وَهِيَ الْعَقْدُ، إِلَّا أَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَ وَسِيلَةً لِمَا يُقْصَدُ لَهُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْبِنَاءِ وَمَا بَعْدَهُ، كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي لَا يَعْقُبُهُ وَطْءُ الْعَاقِدِ لِزَوْجِهِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيمَا قُصِدَ مِنْهُ، وَلَا يَعْبَأُ الْمُطَلِّقُ الْمُوقِعُ الثَّلَاثَ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ زَوْجٍ آخَرَ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ الْمَرْأَةَ.

وَوَصْفُ (زَوْجًا غَيْرَهُ) تَحْذِيرٌ لِلْأَزْوَاجِ مِنَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، لِأَنَّهُ بِذِكْرِ الْمُغَايِرَةِ يَتَذَكَّرُ أَنَّ زَوْجَتَهُ سَتَصِيرُ لِغَيْرِهِ كَحَدِيثِ الْوَاعِظِ الَّذِي اتعظ بقول الشَّاعِرِ:

الْيَوْمَ عِنْدَكَ دَلُّهَا وَحَدِيثُهَا ... وَغَدًا لِغَيْرِكَ زَنْدُهَا وَالْمِعْصَمُ

وَأَسْنَدَ الرَّجْعَةَ إِلَى الْمُتَفَارِقَيْنِ بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى رِضَا الزَّوْجَةِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ ثُمَّ عَلَّقَ ذَلِكَ بقوله: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أَيْ أَنْ يَسِيرَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي إِعَادَةِ الْخُصُومَاتِ.

(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)

وإقحام كلمة (لقوم) لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ سَجِيَّتُهُمْ وَمَلَكَةٌ فِيهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِلَى قَوْلِهِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الْبَقَرَة: 164] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت