(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ(96)
وَشَرْطُ (لَوِ) الِامْتِنَاعِيَّةِ يَحْصُلُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَلَمَّا جَاءَتْ جُمْلَةُ شَرْطِهَا مُقْتَرِنَةً بِحَرْفِ (أَنَّ) الْمُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمَصْدَرِيَّةِ، وَكَانَ خَبَرُ (أَنَّ) فِعْلًا مَاضِيًا تَوَفَّرَ مَعْنَى الْمُضِيِّ فِي جُمْلَةِ الشَّرْطِ.
وَالْمَعْنَى: لَوْ حَصَلَ إِيمَانُهُمْ فِيمَا مَضَى لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ.
وَالتَّقْوَى: هِيَ تَقْوَى اللَّهِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ وَذَلِكَ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْقُرى تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، فَإِضَافَةُ (أَهْلَ) إِلَيْهِ تُفِيدُ عُمُومَهُ بِقَدْرِ مَا أُضِيفَ هُوَ إِلَيْهِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا أَفْهَمَهُ الْإِيجَازُ فِي قَوْلِهِ: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيءٍ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ) الْآيَةَ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعْرِيضٌ بِإِنْذَارِ الَّذِينَ كذبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَتَعْرِيضٌ بِبِشَارَةِ أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ مَا يُقَرِّبُ أَنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ التَّعْرِيضِ بِالنِّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ أَهْلَ مَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا فَأَصَابَهُمْ بِسَبْعِ سِنِينَ مِنَ الْقَحْطِ، وَبَارَكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَغْنَاهُمْ وَصَرَفَ عَنْهُمُ الْحُمَّى إِلَى الْجُحْفَةِ، وَالْجُحْفَةُ يَوْمَئِذٍ بِلَادُ شِرْكٍ.
وَالْفَتْحُ: إِزَالَةُ حَجْزِ شَيْءٍ حَاجِزٍ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى مَكَانٍ.
وَالْفَتْحُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلتَّمْكِينِ.
وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ الْفَتْحِ إِلَى الْبَرَكَاتِ هُنَا اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الْبَرَكَاتِ بِالْبُيُوتِ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا تَحْتَوِيهِ، فَهُنَا اسْتِعَارَتَانِ مَكْنِيَّةٌ وَتَبَعِيَّةٌ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (لَفَتَحْنا) - بِتَشْدِيدِ التَّاءِ - وَهُوَ يُفِيدُ الْمُبَالِغَةَ.
وَالْبَرَكَاتُ: جَمْعُ بَرَكَةٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْجَمْعِ تَعَدُّدُهَا، بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَصْنَافِ الْأَشْيَاءِ الْمُبَارَكَةِ.
وَجِمَاعُ مَعْنَاهَا هُوَ الْخَيْرُ الصَّالِحُ الَّذِي لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَحْسَنُ أَحْوَالِ النِّعْمَةِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَدْرَجِينَ بِلَفْظِ الْحَسَنَةَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ: (مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) وَفِي جَانِبِ الْمُؤْمِنِينَ بالبركات مَجْمُوعَة [الْأَعْرَاف: 95] .
وَقَوْلُهُ: (مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) مُرَادٌ بِهِ حَقِيقَتُهُ، لِأَنَّ مَا يَنَالُهُ النَّاسُ مِنَ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا مِنَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُعْظَمُ الْمَنَافِعِ، أَوْ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلَ مَاءِ الْمَطَرِ وَشُعَاعِ الشَّمْسِ وَضَوْءِ الْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْهَوَاءِ وَالرِّيَاحِ الصَّالِحَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلكِنْ كَذَّبُوا اسْتِثْنَاءٌ لِنَقِيضِ شَرْطِ(لَوْ) فَإِنَّ التَّكْذِيبَ هُوَ عَدَمُ الْإِيمَانِ فَهُوَ قِيَاسٌ اسْتِثْنَائِيٌّ.
وَجُمْلَةُ: (فَأَخَذْناهُمْ مُتَسَبِّبَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: (وَلكِنْ كَذَّبُوا وَهُوَ مِثْلُ نَتِيجَةِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ مُسَاوِي نَقِيضِ التَّالِي، لِأَنَّ أَخْذَهُمْ بِمَا كَسَبُوا فِيهِ عَدَمُ فَتْحِ الْبَرَكَاتِ عَلَيْهِمْ.
(فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)
وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ مَا كَسَبُوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ.