(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260)
وَالْقَلْبُ مُرَادٌ بِهِ الْعِلْمُ إِذِ الْقَلْبُ لَا يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّكِّ وَلَا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْفِكْرِ، وَأَرَادَ بِالِاطْمِئْنَانِ الْعِلْمَ الْمَحْسُوسَ وَانْشِرَاحَ النَّفْسِ بِهِ وَقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ عَلَى طَرِيقَةٍ يَرَى بِهَا إِحْيَاءَ الْمَوْتَى رَأْيَ الْعَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)
وَجِيء بِمن للتَّبْعِيض لدلَالَة عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ وَالِاخْتِلَافِ زِيَادَةٌ فِي تَحَقُّقِ أَنَّ الْإِحْيَاءَ لَمْ يَكُنْ أَهْوَنَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ دُونَ بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ عُدِّدَتِ الْأَنْوَاعُ، وَلَعَلَّ جَعْلَهَا أَرْبَعَةً لِيَكُونَ وَضْعُهَا عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ: الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ لِئَلَّا يَظُنَّ لِبَعْضِ الْجِهَاتِ مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِتَأَتِّي الْإِحْيَاءِ، وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ طَيْرٍ وَاحِدٍ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَهْدِ إِشَارَةً إِلَى طَيْرٍ حَاضِرٍ، أَيْ خُذْ أَرْبَعَةً مِنْ أَجْزَائِهِ ثُمَّ ادْعُهُنَّ، وَالسَّعْيُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْيِ لَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّيَرَانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً عَلَى أَنَّهُنَّ أُعِيدَتْ إِلَيْهِنَّ حَيَاةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْحَيَاةِ السَّابِقَةِ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُنَّ لَمْ يَمُتْنَ تَمَامًا.
وَذِكْرُ كُلِّ جَبَلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّيْرِ عَلَى جَبَلٍ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى الْجِبَالِ تَقْوِيَةٌ لِتَفَرُّقِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ فَإِنَّهَا فُرِّقَتْ بِالْفَصْلِ مِنْ أَجْسَادِهَا وَبِوَضْعِهَا فِي أَمْكِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ وَعَسِرَةِ التَّنَاوُلِ.
وَمعنى (فَصُرْهُنَّ) أَدْنِهِنَّ، وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِإِدْنَائِهَا أَنْ يَتَأَمَّلَ أَحْوَالَهَا حَتَّى يَعْلَمَ بَعْدَ إِحْيَائِهَا أَنَّهَا لَمْ يَنْتَقِلْ جُزْءٌ مِنْهَا عَنْ مَوْضِعِهِ.