فهرس الكتاب

الصفحة 2978 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): الْآيَات 8 إِلَى 9]

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9)

الْوَزْنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ تَعْيِينُ مَقَادِيرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْأَعْمَالُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَعْيِينًا لَا إِجْحَافَ فِيهِ، كَتَعْيِينِ الْمِيزَانِ عَلَى حَسَبِ مَا عَيَّنَ اللَّهُ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَكَوْنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِلَّهِ وَكَوْنِهِ رِيَاءً، وَكَكَوْنِ الْجِهَادِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ كَوْنِهِ لِمُجَرَّدِ الطَّمَعِ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ الْجَزَاءُ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ، فَالْوَزْنُ اسْتِعَارَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَقَدْ قِيلَ تُوضَعُ الصَّحَائِفُ الَّتِي كَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ لِلْأَعْمَالِ فِي شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَنْطِقُ أَوْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ فَيَدُلُّ عَلَى مَقَادِيرِ الْأَعْمَالِ لِأَرْبَابِهَا، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي صِفَةِ هَذَا الْمِيزَانِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهَا.

وَالْعِبَارَاتُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ قَاصِرَةٌ عَنْ وَصْفِ الْوَاقِعَاتِ، لِأَنَّهَا مِنْ خَوَارِقِ الْمُتَعَارَفِ، فَلَا تَعْدُو الْعِبَارَاتُ فِيهَا تَقْرِيبَ الْحَقَائِقِ وَتَمْثِيلَهَا بِأَقْصَى مَا تَعَارَفَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، فَمَا جَاءَ مِنْهَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي آلَةً فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ الْمَشْهُورِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا) [الْكَهْف: 105] .

وَمَا جَاءَ مِنْهَا عَلَى صِيغَةِ الْأَسْمَاءِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ مِثْلَ مَا هُنَا لِقَوْلِهِ: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) إِلَخْ وَمِثْلَ

قَول النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»

وَمَا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُقْتَضٍ آلَةً فَحَمْلُهُ عَلَى التَّمْثِيلِ أَوْ عَلَى مَخْلُوقٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) [الْأَنْبِيَاء: 47] .

وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ ذِكْرُ الْمِيزَانِ فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّتِي فِيهَا كَلِمَةُ شَهَادَةِ الْإِسْلَامِ، عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَدِيثِ

قَول النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْوَزْنِ بِقَوْلِهِ: (الْحَقُّ) إِنْ كَانَ الْوَزْنُ مَجَازًا عَنْ تَعْيِينِ مَقَادِيرِ الْجَزَاءِ فَالْحَقُّ بِمَعْنَى الْعَدْلِ، أَيِ الْجَزَاءُ عَادل غير جَائِز، لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَضَاءِ وَالْحِكَمِ، وَإِنْ كَانَ الْوَزْنُ تَمْثِيلًا بِهَيْئَةِ الْمِيزَانِ، فَالْعَدْلُ بِمَعْنَى السَّوِيِّ، أَيْ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ مُسَاوٍ لِلْأَعْمَالِ لَا يرجح وَلَا يحجف.

وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةٌ فِي كَوْنِهِ مُحِقًّا.

وَثِقَلُ الْمِيزَانِ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ رُجْحَانُ الْمِيزَانِ بِالشَّيْءِ الْمَوْزُونِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِاعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ غَالِبَةً وَوَافِرَةً، أَيْ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ الصَّالِحَاتُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مَا ثَقُلَتْ بِهِ الْمَوَازِينُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنِ اعْتِبَارِ الْوَزْنِ، لِأَنَّ مُتَعَارَفَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَزِنُونَ الْأَشْيَاءَ الْمَرْغُوبَ فِي شِرَائِهَا الْمُتَنَافَسَ فِي ضَبْطِ مَقَادِيرِهَا وَالَّتِي يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهَا.

وَالثِّقَلُ مَعَ تِلْكَ الِاسْتِعَارَةِ هُوَ أَيْضًا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعَارَةِ الْوَزْنِ لِلْجَزَاءِ، ثُمَّ الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِعَدَمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَخْذًا بِغَايَةِ الْخِفَّةِ عَلَى وِزَانٍ عَكْسِ الثِّقَلِ، وَهِيَ أَيْضًا تَرْشِيحٌ ثَانٍ لِاسْتِعَارَةِ الْمِيزَانِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْخِفَّةُ الشَّدِيدَةُ وَهِيَ انْعِدَامُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِقَوْلِهِ: (بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) .

وَالْفَلَاحُ حُصُولُ الْخَيْرِ وَإِدْرَاكُ الْمَطْلُوبِ.

(فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

وَالْإِتْيَانُ بِالْإِشَارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا حَصَّلُوا الْفَلَاحَ لِأَجْلِ ثِقَلِ مَوَازِينِهِمْ، وَاخْتِيرَ اسْمُ إِشَارَةِ الْبُعْدِ تَنْبِيهًا عَلَى الْبُعْدِ الْمَعْنَوِيِّ الِاعْتِبَارِيِّ.

وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لِقَصْدِ الِانْحِصَارِ أَيْ هُمُ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ تَحَقُّقُ الْمُفْلِحِينَ، أَيْ إِنْ عَلِمْتَ جَمَاعَةً تُعْرَفُ بِالْمُفْلِحِينَ فَهُمْ هُمْ.

وَضُمِّنَ (يَظْلِمُونَ) مَعْنَى يُكَذِّبُونَ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالْبَاءِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ فَيُكَذِّبُونَ بِآيَاتِنَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النَّمْل: 14] .

وَإِنَّمَا جُعِلَ تَكْذِيبُهُمْ ظُلْمًا لِأَنَّهُ تَكْذِيبُ مَا قَامَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى صِدْقِهِ فَتَكْذِيبُهُ ظُلْمٌ لِلْأَدِلَّةِ بِدَحْضِهَا وَعَدَمِ إِعْمَالِهَا.

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) عَلَى عَامِلِهِ، وَهُوَ يَظْلِمُونَ، لِلِاهْتِمَامِ بِالْآيَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت