فهرس الكتاب

الصفحة 3142 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): الْآيَات 61 إِلَى 63]

(قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ(61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)

فُصِلَتْ جُمْلَةُ: (قالَ) عَلَى طَرِيقَةِ فَصْلِ الْمُحَاوَرَاتِ.

وَالنِّدَاءُ فِي جَوَابِهِ إِيَّاهُمْ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ خُطَّابَهُ بِالَّذِينَ جَاوَبُوهُ، بَلْ أَعَادَ الْخِطَابَ إِلَى الْقَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ جَوَابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجَادَلَةً لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ هُوَ أَيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عَامَّةً، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ فِي نِدَائِهِمْ بِوَصْفِ الْقَوْمِ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِهِ، فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً

اسْتِنْزَالًا لِطَائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمَّا سَيَعْقُبُ النِّدَاءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الْأَعْرَاف: 60] .

وَالضَّلَالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلَالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، وَالْعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غَالِبًا فِي أَسْمَاءِ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي، مِثْلِ الْغَوَايَةِ وَالسَّفَاهَةِ، فَالتَّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ التَّاءِ مَعْنَى الْوَحْدَةِ لِأَنَّ أَسْمَاءَ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي لَا تُرَاعَى فِيهَا الْمُشَخِّصَاتُ، فَلَيْسَ الضَّلَالُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْجَمْعِ لِلضَّلَالَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي «الْكَشَّافِ» ، وَكَأَنَّهُ حَاوَلَ إِثْبَاتَ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ) [الْأَعْرَاف: 60] ، وَقَوْلِهِ هُوَ: (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) وَتَبِعَهُ فِيهِ الْفَخْرُ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْمَثَلِ السَّائِرِ» ، وَقَدْ تكلّف لتصحيحه التفتازانيّ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّخَالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلَالٍ وَضَلَالَةٍ اقْتَضَاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلَالٍ، وَمُوجِبُ سَبْقِهِ إِرَادَةُ وَصْفِهِ بـ (مُبِينٍ) [الْأَعْرَاف: 60] ، فَلَوْ عَبَّرَ هُنَالِكَ بِلَفْظِ ضَلَالَةٍ لَكَانَ وَصْفُهَا بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ لفظ (ضَلالٍ) [الْأَعْرَاف: 60] اسْتُحْسِنَ أَنْ يُعَادَ بِلَفْظٍ يُغَايِرُهُ فِي السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الْإِعَادَةِ فَقَوْلُهُ: (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الْأَعْرَاف: 60] بِمُسَاوِيهِ لَا بِأَبْلَغَ مِنْهُ.

وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: (بِي) لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ تُنَاقِضُ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ (فِي ضَلالٍ) [الْأَعْرَاف: 60] فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الضَّلَالَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ، فَنَفَى هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلضَّلَالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.

وَتَجْرِيدُ لَيْسَ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِهَا مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرَى عَلَى الْجَوَازِ فِي تَجْرِيدِ الْفِعْلِ مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، إِذَا كَانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، وَلِمَكَانِ الْفَصْلِ بِالْمَجْرُورِ.

وَالِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ (وَلكِنِّي رَسُولٌ) لِرَفْعِ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فِي ضَلَالٍ حَيْثُ خَالَفَ دِينَهُمْ، أَيْ هُوَ فِي حَالِ رِسَالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ مَا تَقْتَضِي الرِّسَالَةُ

مِنَ التَّبْلِيغِ وَالنُّصْحِ وَالْإِخْبَارِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ، وَذَلِكَ مَا حَسِبُوهُ ضَلَالًا.

وَاخْتِيَارُ طَرِيقِ الْإِضَافَةِ فِي تَعْرِيفِ الْمُرْسَلِ: لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ مِنْ تَفْخِيمِ الْمُضَافِ وَمِنْ وُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إِذْ عَصَوْهُ.

وَجُمْلَةُ: (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِفَادَةُ التَّجَدُّدِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكِ التَّبْلِيغِ مِنْ أَجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهُمْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَوْلَا هَذَا الْمَقْصِدُ لَكَانَ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ حَاصِلًا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلكِنِّي رَسُولٌ) وَلِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسَالَاتِ لِأَنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسَالَةً بِمَا بَلَّغَهُ.

وَالتَّبْلِيغُ وَالْإِبْلَاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بَالِغًا، أَيْ وَاصِلًا إِلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْأَمْرِ الْمَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.

وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ فِي قَوْلِهِ: (رِسالاتِ رَبِّي) هُوَ مَا تُؤْذِنُ بِهِ إِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لُزُومِ طَاعَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَسَعُهُ إِلَّا تَبْلِيغُ مَا أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وَإِنْ كَرِهَ قَوْمُهُ.

وَالنُّصْحُ وَالنَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْمُضَارِعِ دَلَالَةٌ عَلَى تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهُمْ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكِهِ مِنْ أَجْلِ كَرَاهِيَتِهِمْ أَوْ بَذَاءَتِهِمْ.

وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) جَمْعًا لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ مِمَّا تَتَضَمَّنُهُ الرِّسَالَةُ وَتَأْيِيدًا لِثَبَاتِهِ عَلَى دَوَامِ التَّبْلِيغِ وَالنُّصْحِ لَهُمْ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِكَرَاهِيَتِهِمْ وَأَذَاهُمْ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا لَا يعلمونه مِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَجَاءَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْجَامِعِ، وَيَتَضَمَّنُ هَذَا الْإِجْمَالُ الْبَدِيعُ تَهْدِيدًا لَهُمْ بِحُلُولِ عَذَابٍ بِهِمْ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَتَنْبِيهًا لِلتَّأَمُّلِ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ، وَفَتْحًا لِبَصَائِرِهِمْ أَنْ تَتَطَلَّبَ الْعِلْمَ بِمَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَقَبُولِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ)

وَاخْتِيرَ الِاسْتِفْهَامُ دُونَ أَنْ يَقُولَ: لَا عَجَبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مِمَّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ظَنُّ الْعَاقِلِ بِالْعُقَلَاءِ.

فَقَوْلُهُ: (أَوَعَجِبْتُمْ) بِمَنْزِلَةِ الْمَنْعِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِمْ: (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الْأَعْرَاف: 60] لِأَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُقَدِّمَةِ دَلِيلٍ عَلَى بُطْلَانِ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.

وَتَنْكِيرُ (ذِكْرٌ، ورَجُلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ إِذْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِذِكْرٍ دُونَ ذِكْرٍ وَلَا لِرَجُلٍ دُونَ رَجُلٍ، فَإِنَّ النَّاسَ سَوَاءٌ، وَالذِّكْرَ سَوَاءٌ فِي قَبُولِهِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَرَدِّهِ لِمَنْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ، أَي هَذَا الحَدِيث الَّذِي عَظَّمْتُمُوهُ وَضَجَجْتُمْ لَهُ مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ.

وَوَصْفُ رَجُلٍ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ جِنْسِهِمُ الْبَشَرِيِّ فَضْحٌ لِشُبْهَتِهِمْ، وَمَعَ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ فَضْحِ شُبْهَتِهِمْ فِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لَهَا بِأَنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يَكُونَ مَا جَعَلُوهُ مُوجِبَ اسْتِبْعَادٍ وَاسْتِحَالَةٍ هُوَ مُوجِبُ الْقَبُولِ وَالْإِيمَانِ، إِذِ الشَّأْنُ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الذِّكْرِ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَنْ لَا يُسْرِعُوا إِلَى تَكْذِيبِ الْجَائِي بِهِ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ كَوْنَ الْمُذَكِّرِ رَجُلًا مِنْهُمْ أَقْرَبُ إِلَى التَّعَقُّلِ مِنْ كَوْنِ مُذَكِّرِهِمْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ، فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فِي إِبْطَالِ دَعْوَى الْخَصْمِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِصِدْقِ دَعْوَى الْمُجَادِلِ، وَهُوَ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ سَنَدِ الْمَنْعِ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ.

وَقَدْ رُتِّبَتِ الْجُمَلُ عَلَى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَضْمُونِهَا فِي الْوُجُودِ، فَإِنَّ الْإِنْذَارَ مُقَدَّمٌ لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَوِ الْوَثَنِيَّةِ، ثُمَّ يَحْصُلُ بَعْدَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فَتُرْجَى مِنْهُ الرَّحْمَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت