(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ خُصُوصُ الْمُتَدَايِنِينَ، وَالْأَخَصُّ بِالْخِطَابِ هُوَ الْمَدِينُ لِأَنَّ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ دَائِنَهُ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ عَلَى مَالِهِ.
فَعَلَى الْمُسْتَقْرِضِ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهَا الدَّائِنُ، وَيُؤْخَذْ هَذَا مِمَّا حَكَاهُ اللَّهُ فِي (سُورَةِ الْقَصَصِ) عَنْ مُوسَى وَشُعَيْبٍ، إِذِ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبٌ مُوسَى.
فَلَمَّا تَرَاوَضَا عَلَى الْإِجَارَةِ وَتَعْيِينِ أَجَلِهَا قَالَ مُوسَى: «وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ» ، فَذَلِكَ إِشْهَادٌ عَلَى نَفْسِهِ لِمُؤَاجِرِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَهُ شُعَيْبٌ ذَلِكَ.
وَزِيَادَةُ قَيْدِ (بِدَيْنٍ) إِمَّا لِمُجَرَّدِ الْإِطْنَابِ، كَمَا يَقُولُونَ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَلَمْسَتُهُ بِيَدِي، وَإِمَّا لِيَكُونَ مَعَادًا لِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ فَاكْتُبُوهُ، وَلَوْلَا ذِكْرُهُ لَقَالَ فَاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الْحَسَنَ، وَلِأَنَّهُ أَبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إِلَى مُؤَجَّلٍ وَحَالٍّ، قَالَهُ فِي «الْكَشَّافِ» .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ: يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ اسْتِعْمَالُ التَّدَايُنِ مَجَازًا فِي الْوَعْدِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
دَايَنْتُ أَرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضًا وَأَدَّتْ بَعْضَا
فَذَكَرَ قَوْلَهُ «بِدَيْنٍ» دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْمَجَازِ.
وَقَوْلُهُ: (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) طَلَبُ تَعْيِينِ الْآجَالِ لِلدُّيُونِ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي الْخُصُومَاتِ وَالتَّدَاعِي فِي الْمُرَادَاتِ، فَأُدْمِجَ تَشْرِيعُ التَّأْجِيلِ فِي أَثْنَاءِ تَشْرِيعِ التَّسْجِيلِ.
وَقَوْلُهُ: (بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) يَعُمُّ كُلَّ دَيْنٍ: مِنْ قَرْضٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «الصَّحِيحُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِأَنَّ لِلْمَرْءَ أَنْ يَهَبَ هَذَا الْحَقَّ وَيَتْرُكَهُ بِإِجْمَاعٍ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ لِلِاحْتِيَاطِ» .
وَهَذَا كَلَامٌ قَدْ يَرُوجُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ وَلَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَقَامَ التَّوَثُّقِ غَيْرُ مُقَامِ التَّبَرُّعِ.
وَمَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ تَنْبِيهُ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ حَتَّى لَا يَتَسَاهَلُوا ثُمَّ يَنْدَمُوا وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِبْطَالَ ائْتِمَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كَمَا أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِهَا دَفْعَ مُوجِدَةِ الْغَرِيمِ مِنْ تَوَثُّقِ دَائِنِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مَقَاصِدِهَا قَطْعُ أَسْبَابِ الْخِصَامِ.
وَقَوْلُهُ: (فَلْيَكْتُبْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى النَّهْيِ وَتَكْرِيرٌ لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ:(فَاكْتُبُوهُ) فَهُوَ يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْأَمْرِ وَتَأْكِيدَ النَّهْيِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا أُعِيدَ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) لِبُعْدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِمَا وَلِيَهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اتَّخَذُوهُ) [الْأَعْرَاف: 148] بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا) [الْأَعْرَاف: 148] الْآيَةَ.
وَوَجْهُ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي فِعْلِ (يُمِلَّ) بِالضَّمِيرِ الْبَارِزِ هُوَ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ: (فَلْيُمْلِلْ) لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّ عَجْزَهُ يُسْقِطُ عَنْهُ وَاجِبَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتَدِينُهُ، وَكَانَ الْأَوْلِيَاءُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفِي صَدْرِهِ كُبَرَاءَ الْقَرَابَةِ.
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ)
وَإِنَّمَا جَعَلَ الْقُرْآنُ كَاتِبًا وَشَاهِدَيْنِ لِنُدْرَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْكِتَابَةِ وَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ.
(وَاسْتَشْهِدُوا) بِمَعْنَى أَشْهِدُوا، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُمَا لِلطَّلَبِ أَيِ اطْلُبُوا شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ، فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالسَّعْيِ لِلْإِشْهَادِ وَهُوَ التَّكْلِيفُ الْمُتَعَلِّقُ بِصَاحِبِ الْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ)
وَجِيءَ فِي الْآيَة بكان النَّاقِصَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَنْ يُقَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلَانِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّجُلَيْنِ كَمَا تَوَهَّمَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْمُتَعَامِلِينَ.
وَفِيهِ مَرْمًى آخَرُ وَهُوَ تَعْوِيدُهُمْ بِإِدْخَالِ الْمَرْأَة فِي شئون الْحَيَاةِ إِذْ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تَشْتَرِكُ فِي هَذِه الشئون، فَجَعَلَ اللَّهُ الْمَرْأَتَيْنِ مَقَامَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) وَهَذِهِ حَيْطَةٌ أُخْرَى مِنْ تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ خَشْيَةُ الِاشْتِبَاهِ وَالنِّسْيَانِ لأنّ الْمَرْأَة أَضْعَف مِنَ الرَّجُلِ بِأَصْلِ الْجِبِلَّةِ بِحَسَبِ الْغَالِبِ، وَالضَّلَالُ هُنَا بِمَعْنَى النِّسْيَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ فَتُذَكِّرَهَا الْأُخْرَى.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي «شَرْحِ الْكَشَّافِ» : «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ وَجْهُ تَكْرِيرِ لَفْظِ (إِحْدَاهُمَا) وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِذْ لَيْسَتِ الْمُذَكِّرَةُ هِيَ النَّاسِيَةَ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ إِحْدَاهُمَا الثَّانِيَةُ فِي مَوْقِعِ الْمَفْعُولِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ فِي مَوْضِعِ الْإِلْبَاسِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَتُذَكِّرَهَا الْأُخْرَى، فَلَا بُدَّ لِلْعُدُولِ مِنْ نُكْتَةٍ» .
وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ فِي «حَاشِيَةِ التَّفْسِيرِ» «قَالُوا: إِنَّ النُّكْتَةَ الْإِبْهَامُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبَتِهَا مِنَ الضَّلَالِ وَالتَّذْكِيرِ، فَدَخَلَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ» يَعْنِي أَنَّهُ أَظْهَرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ لَا تَكُونُ إِلَّا مُذَكِّرَةً الْأُخْرَى، فَلَا تَكُونُ شَاهِدَةً بِالْأَصَالَةِ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ هَذَا الْإِظْهَارَ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِنُكْتَةٍ هِيَ قَصْدُ اسْتِقْلَالِ الْجُمْلَةِ بِمَدْلُولِهَا كَيْلَا تَحْتَاجَ إِلَى كَلَامٍ آخَرَ فِيهِ مَعَادُ الضَّمِيرِ لَوْ أُضْمِرَ، وَذَلِكَ يُرَشِّحُ الْجُمْلَةَ لِأَنْ تَجْرِيَ مَجْرَى الْمَثَلِ.
وَكَأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ تَعَدُّدِ الْمَرْأَةِ فِي الشَّهَادَةِ، فَالْمَرْأَةُ مُعَرَّضَةٌ لِتَطَرُّقِ النِّسْيَانِ إِلَيْهَا وَقِلَّةِ ضَبْطِ مَا يَهُمُّ ضَبْطُهُ، وَالتَّعَدُّدُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلَافِ مَوَادِّ النَّقْصِ وَالْخَلَلِ، فَعَسَى أَلَّا تَنْسَى إِحْدَاهُمَا مَا نَسِيَتْهُ الْأُخْرَى.
فَقَوْلُهُ (أَنْ تَضِلَّ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدَةِ، وَقَوْلُهُ: (فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) تَعْلِيلٌ لِإِشْهَادِ امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ حَتَّى لَا تَبْطُلَ شَهَادَةُ الْأُولَى مِنْ أَصْلِهَا.
(وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا)
وَإِنَّمَا جِيءَ فِي خِطَابِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَجِيءَ فِي خِطَابِ الشُّهَدَاءِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ اهْتِمَامًا بِمَا فِيهِ التَّفْرِيطُ.
فَإِنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُظَنُّ بِهِمَا إِهْمَالُ الْإِشْهَادِ فَأُمِرَا بِهِ، وَالشُّهُودُ يُظَنُّ بِهِمُ الِامْتِنَاعُ فَنُهُوا عَنْهُ، وَكُلٌّ يَسْتَلْزِمُ ضِدَّهُ.
وَتَسْمِيَةُ الْمَدْعُوِّينَ شُهَدَاءَ بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ الْقَرِيبِ، وَهُوَ الْمُشَارَفَةُ، وَكَأَنَّ فِي ذَلِكَ نُكْتَةً عَظِيمَةً: وَهِيَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهُمْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِشْهَادِ، قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ، فَصَارُوا شُهَدَاءَ.
وَحُذِفَ مَعْمُولُ (دُعُوا) إِمَّا لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ - قَبْلَهُ - وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ أَيْ إِذَا مَا دُعُوا إِلَى الشَّهَادَةِ أَيِ التَّحَمُّلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْمَعْمُولِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ، أَيْ إِذَا مَا دُعُوا لِلتَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ مَعًا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَذْفَ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ (دُعُوا) لِإِفَادَةِ شُمُولِ مَا يُدْعَونَ لِأَجْلِهِ فِي التَّعَاقُدِ: مِنْ تَحَمُّلٍ، عِنْد قصد الْإِشْهَاد، وَمِنْ أَدَاءٍ، عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْبَيِّنَةِ.
(وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ)
وَتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ هُنَا، مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْعَكْسُ، كَتَقْدِيمِ السِّنَةِ عَلَى النَّوْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) [الْبَقَرَة: 255] لِأَنَّهُ قَصَدَ هُنَا إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْعُمُومِ لِدَفْعِ مَا يَطْرَأُ مِنَ التَّوَهُّمَاتِ فِي قِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالصَّغِيرِ، وَهُوَ أَكْثَرُ، أَوِ اعْتِقَادِ عَدَمِ وُجُوبِ كِتَابَةِ الْكَبِيرِ، لَوِ اقْتُصِرَ فِي اللَّفْظِ عَلَى الصَّغِيرِ.
(وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)
نَهْيٌ عَنِ الْمُضَارَّةِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ مَصْدَرًا لِلْإِضْرَارِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ لَهُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَصْدَرًا لِلْإِضْرَارِ: لِأَنَّ (يُضَارَّ) يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ لِلْمَعْلُومِ وَلِلْمَجْهُولِ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ هَذِهِ الْمَادَّةِ هُنَا مَقْصُودٌ، لِاحْتِمَالِهَا حُكْمَيْنِ، لِيَكُونَ الْكَلَامُ مُوَجَّهًا فَيُحْمَلُ عَلَى كِلَا مَعْنَيَيْهِ لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا، وَهَذَا مِنْ وَجْهِ الْإِعْجَازِ.
والمضارّة: إِدْخَال الضرّ بِأَنْ يُوقِعَ الْمُتَعَاقِدَانِ الشَّاهِدَيْنِ وَالْكَاتِبَ فِي الْحَرَجِ وَالْخَسَارَةِ، أَوْ مَا يجر إِلَى الْعقُوبَة، وَأَن يُوقع الشَّاهِدَانِ أحد الْمُتَعَاقدين فِي إِضَاعَة حق أَو تَعب فِي الْإِجَابَة إِلَى الشَّهَادَةِ.
وَقَدْ أَخَذَ فُقَهَاؤُنَا مِنْ هَاتِهِ الْآيَةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً تَتَفَرَّعُ عَنِ الْإِضْرَارِ: مِنْهَا رُكُوبُ الشَّاهِدِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَمِنْهَا تَرْكُ اسْتِفْسَارِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ النِّسْيَانِ، وَمِنْهَا اسْتِفْسَارُهُ اسْتِفْسَارًا يُوقِعُهُ فِي الِاضْطِرَابِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُورِ جَعْلُ جَانِبٍ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ لِدَفْعِ مَصَارِيفِ انْتِقَالِ الشُّهُودِ وَإِقَامَتِهِمْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِمْ وَتَعْوِيضِ مَا سَيَنَالُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْخَسَائِرِ الْمَالِيَّةِ فِي إِضَاعَةِ عَائِلَاتِهِمْ، إِعَانَةً عَلَى إِقَامَةِ الْعَدْلِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَالسَّعَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْجَهَالَةِ إِلَى الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، وَنِظَامِ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْعُلُومِ وَأَنْفَعُهَا، وَوَعْدٌ بِدَوَامِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِالْمُضَارِعِ، وَفِي عَطْفِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ التَّقْوَى سَبَبُ إِفَاضَةِ الْعُلُومِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْوَاوَ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِيُعَلِّمَكُمْ.
وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَعَانِي الْوَاوِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي الْجُمَلِ الثَّلَاثِ: لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِكُلِّ جُمْلَةٍ مِنْهَا حَتَّى تَكُونَ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلَالَةِ، غَيْرَ محتاجة إِلَى غَيرهَا الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَعَادِ ضَمِيرِهَا، حَتَّى إِذَا سَمِعَ السَّامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقَدْ لَا يَسْمَعُ إِحْدَاهَا فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ فِي فَهْمِ أُخْرَاهَا.
هَذَا، وَلِإِظْهَارِ اسْمِ الْجَلَالَةِ نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّهْوِيلُ.
وَلِلتَّكْرِيرِ مَوَاقِعُ يَحْسُنُ فِيهَا، وَمَوَاقِعُ لَا يَحْسُنُ فِيهَا.