(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ(61)
وَالتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيءِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ قَبْلَهُ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) [التَّوْبَة: 58] فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ» فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى إِظْهَارِ وَصْفِ النَّبِيءِ لِلْإِيذَانِ بِشَنَاعَةِ قَوْلِهِمْ وَلِزِيَادَةِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ النُّبُوءَةِ بِحَيْثُ لَا تُحْكَى مَقَالَتُهُمْ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ مَا يُشِيرُ إِلَى تَنْزِيهِهِ وَالتَّعْرِيضِ بِجُرْمِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ.
وَهَؤُلَاءِ فَرِيقٌ كَانُوا يَقُولُونَ فِي حَقِّ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُؤْذِيهِ إِذَا بَلَغَهُ.
وَقَدْ عُدَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، الْقَائِلِينَ ذَلِكَ: الْجُلَاسُ بْنُ سُوِيدٍ، قَبْلَ تَوْبَتِهِ، وَنَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَتَّابُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَقُولُ فِيهِ مَا شِئْنَا ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَيْهِ وَنَحْلِفُ لَهُ أَنَّا مَا قُلْنَا فَيَقْبَلُ قَوْلَنَا.
وَالْأَذَى: الْإِضْرَارُ الْخَفِيفُ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الضُّرِّ بِالْقَوْلِ وَالدَّسَائِسِ.
وَمَعْنَى (هُوَ أُذُنٌ) الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ آلَةُ سَمْعٍ.
وَالْإِخْبَارُ بِـ (هُوَ أُذُنٌ) مِنْ صِيغِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ كَالْأُذُنِ فِي تَلَقِّي الْمَسْمُوعَاتِ لَا يَرُدُّ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ مِنْ دُونِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَالْمَرْدُودِ.
وَجُمْلَةُ: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) جُمْلَةُ قُلْ مستأنفة استئنافا ابْتِدَائِيًّا، عَلَى طَرِيقَةِ الْمُقَاوَلَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ، لِإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ بِقَلْبِ مَقْصِدِهِمْ إِغَاظَةً لَهُمْ، وَكَمْدًا لِمَقَاصِدِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ الْمُخَاطَبُ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُهُ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى أَنَّهُ الْأَوْلَى بِأَنْ يُرَادَ، وَقَدْ مَضَى عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [الْبَقَرَة: 189] وَمِنْهُ مَا جَرَى بَيْنَ الْحَجَّاجِ وَالْقَبَعْثَرِيِّ إِذْ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُ «لَأَحْمِلَنَّكَ عَلَى الْأَدْهَمِ (أَرَادَ لَأَلْزِمْنَكَ الْقَيْدَ لَا تُفَارِقُهُ) فَقَالَ الْقَبَعْثَرَى: «مِثْلُ الْأَمِيرِ يُحْمِلُ عَلَى الْأَدْهَمِ وَالْأَشْهَبِ» فَصَرَفَ مُرَادَهُ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَمْلِ مَعْنَى الرُّكُوبِ وَإِلَى إِرَادَةِ الْفَرَسِ الَّذِي هُوَ أَدْهَمُ اللَّوْنِ مِنْ كَلِمَةِ الْأَدْهَمِ.
وَهَذَا مِنْ غَيْرَةِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْقِبُهُ بِالرَّدِّ وَالزَّجْرِ، كَمَا أَعْقَبَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي) [التَّوْبَة: 49] إِلَى هُنَا بَلْ أَعْقَبَهُ بِبَيَانِ بُطْلَانِهِ فَأَمَرَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَلِّغَهُمْ مَا هُوَ إِبْطَالٌ لِزَعْمِهِمْ مِنْ أَصْلِهِ بِصَرْفِ مَقَالَتِهِمْ إِلَى مَعْنًى لَائِقٍ بِالرَّسُولِ، حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْمَحْكِيِّ أَثَرٌ، وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْكَ بِأَنَّ وَصْفَ أُذُنٌ إِذَا كَانَ مَقْصُودًا بِهِ الذَّمُّ كَيْفَ يُضَافُ إِلَى الْخَيْرِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الذَّمِّ فِي هَذَا الْوَصْفِ هُوَ قَبُولُ كُلِّ مَا يَسْمَعُ
مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرٌّ أَوْ خَيْرٌ، بِدُونِ تَمْيِيزٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي اضْطِرَابِ أَعْمَالِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْخَيْرَ، وَيَرْفُضُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنَ الْقَوْلِ، فَقَدْ صَارَ الْوَصْفُ نَافِعًا، لِأَنَّ صَاحِبَهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَقْبَلَ إِلَّا الْخَيْرَ، وَأَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَيْهِ.
وَالْإِيمَانُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَصْدِيقُهُمْ فِي مَا يُخْبِرُونَهُ، يُقَالُ: آمَنَ لِفُلَانٍ بِمَعْنَى صَدَّقَهُ، وَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللَّامِ دُونَ الْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يُوسُف: 17] فَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهُمْ لِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ لَا يَكْذِبُونَ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَازِعٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يُخْبِرُوهُ الْكَذِبَ، فَكَمَا أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِخَبَرِ الْكَاذِبِ فَهُوَ يُعَامِلُ النَّاسَ بِشَهَادَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِهِ، فَهُوَ ضِدُّ قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: 6] .
(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) إِنْذَارٌ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَعَذَابِ الدُّنْيَا.
وَفِي ذِكْرِ النَّبِيءِ بِوَصْفِ (رَسُولَ اللَّهِ) إِيمَاءٌ إِلَى اسْتِحْقَاقِ مُؤْذِيهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، فَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ الْمُؤْذِنِ بِالْعَلِيَّةِ.
وَفِي الْمَوْصُولِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْعَذَابِ هِيَ الْإِيذَاءُ، فالعلة مركبة.