فهرس الكتاب

الصفحة 3391 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 178]

(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ(178)

قَوْلُهُ: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ) يَعْنِي بِهِ مَنْ يُقَدِّرُ اللَّهُ اهْتِدَاءَهُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى مَنْ يُرْشِدُهُ اللَّهُ بِالْأَدِلَّةِ أَوْ بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ،

وَقَدِ اسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنَ الْقِصَّةِ الْمُذَيَّلَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: (الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا) فَإِيتَاءُ الْآيَاتِ ضَرْبٌ مِنَ الْهِدَايَةِ بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا (فَانْسَلَخَ مِنْها) وَقَالَ (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) وَقَالَ: (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) فَعَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ أَرْشَدَهُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِدَاءَ، فَالْحَالَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُدَ إِلَى الْأَرْضِ لَيْسَتْ حَالَةَ هُدًى، وَلَكِنَّهَا حَالَةُ تَرَدُّدٍ وَتَجْرِبَةٍ، كَمَا تَكُونُ حَالَةُ الْمُنَافِقِ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِمَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُبْطِنٍ لَهَا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى هُنَا: مَنْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا فَهُوَ الْمُهْتَدِي.

وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ فَهُوَ الْمُهْتَدِي قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ادِّعَائِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ وَاسْتِمْرَارِ الِاهْتِدَاءِ إِلَى وَفَاةِ صَاحِبِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُوَافَاةِ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ وَإِنْ بَانَ مُهْتَدِيًا فَلَيْسَ بِالْمُهْتَدِي لِيَنْطَبِقَ هَذَا عَلَى حَالِ الَّذِي أُوتِيَ الْآيَاتِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا وَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ يُرْفَعَ بِهَا.

وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي لَيْسَ مِنْ بَابِ قَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:

وَشِعْرِي شِعْرِي

وَقَول النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»

لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ فِي مَفَادِ الثَّانِي مِنْهُ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى مَفَادِ مَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَا فِي الْآيَةِ فَإِنَّ فِيهَا الْقَصْرَ.

وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) وَزِيدَ فِي جَانِبِ الْخَاسِرِينَ الْفَصْلُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِتَمْيِيزِهِمْ بِعُنْوَانِ الْخُسْرَانِ تَحْذِيرًا مِنْهُ، فَالْقَصْرُ فِيهِ مُؤَكِّدٌ.

وَجُمِعَ الْوَصْفُ فِي الثَّانِي مُرَاعَاةً لِمَعْنَى (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ، وَإِنَّمَا رُوعِيَ مَعْنَى (مَنِ) الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى لِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ وَلِتَبَيُّنِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِـ (مَنِ) الْأُولَى مُفْرَدًا.

وَقَدْ عُلِمَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْهِدَايَةِ بِالْإِضْلَالِ، وَمُقَابَلَةِ الْمُهْتَدِي بِالْخَاسِرِ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ فَائِزٌ رَابِحٌ فَحُذِفَ ذِكْرُ رِبْحِهِ إِيجَازًا.

وَالْخُسْرَانُ اسْتُعِيرَ لِتَحْصِيلِ ضِدِّ الْمَقْصُودِ مِنَ الْعَمَلِ كَمَا يُسْتَعَارُ الرِّبْحُ لِحُصُولِ الْخَيْرِ مِنَ الْعَمَلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت