(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ(146)
وَفِي قَصِّ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا الْكَلَامَ على مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيضٌ بِكُفَّارِ الْعَرَبِ بِأَنَّ اللَّهَ دَافِعُهُمْ عَنْ تَعْطِيلِ آيَاتِهِ، وَبِأَنَّهُ مَانِعٌ كَثِيرًا مِنْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ على مفعول (سَأَصْرِفُ) لِلِاهْتِمَامِ بِالْآيَاتِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ هُوَ بِهِ أَحْسَنُ.
وَتَعْرِيفُ الْمَصْرُوفِينَ عَنِ الْآيَاتِ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ لِلْإِيمَاءِ بِالصِّلَةِ إِلَى عِلَّةِ الصَّرْفِ.
وَهِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَاتُ الْمَذْكُورَةُ، لِأَنَّ مَنْ صَارَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ حَالَاتٍ لَهُ يَنْصُرُهُ اللَّهُ، أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ ذَلِكَ حَالَهُ رِينَ عَلَى قَلْبِهِ، فَصُرِفَ قَلْبُهُ عَنْ إِدْرَاكِ دَلَالَةِ الْآيَاتِ وَزَالَتْ مِنْهُ الْأَهْلِيَّةُ لِذَلِكَ الْفَهْمِ الشَّرِيفِ.
وَالْأَوْصَافُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الصِّلَاتُ فِي الْآيَةِ تَنْطَبِقُ عَلَى مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ أَتَمَّ الِانْطِبَاقِ.
وَالتَّكَبُّرُ الِاتِّصَافُ بِالْكِبْرِ.
وَقَدْ صِيغَ لَهُ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّكَلُّفِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُعْجَبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ عُظَمَاءَ فَلَا يَأْتَمِرُونَ لِآمِرٍ، وَلَا يَنْتَصِحُونَ لِنَاصِحٍ.
وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ: (فِي الْأَرْضِ) لِتَفْضِيحِ تَكَبُّرِهِمْ، وَالتَّشْهِيرِ بِهِمْ بِأَنَّ كِبْرَهُمْ مَظْرُوفٌ فِي الْأَرْضِ، أَيْ لَيْسَ هُوَ خَفِيًّا مُقْتَصِرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بَلْ هُوَ مَبْثُوثٌ فِي الْأَرْضِ، أَيْ مَبْثُوثٌ أَثَرُهُ، فَهُوَ تَكَبُّرٌ شَائِعٌ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: (يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [يُونُس: 23] وَقَوْلِهِ: (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) [الْبَقَرَة: 27] وَقَوْلِهِ: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) [الْإِسْرَاء: 37]
وَقَوْلُهُ: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) زِيَادَةٌ لِتَشْنِيعِ التَّكَبُّرِ بِذِكْرِ مَا هُوَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، وَهُوَ مُغَايَرَةُ الْحَقِّ، أَيْ: بَاطِلٌ وَهِيَ حَالٌ لَازِمَةٌ لِلتَّكَبُّرِ، كَاشِفَةٌ لِوَصْفِهِ، إِذِ التَّكَبُّرُ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ فِي جَانِبِ الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ لِلَّهِ بِحَقٍّ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ، وَلَيْسَ تَكَبُّرُ اللَّهِ بِمَقْصُودٍ أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ هُنَا حَتَّى يُجْعَلَ الْقَيْدُ (بِغَيْرِ الْحَقِّ) لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ، كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» .
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ حَاوَلَ جَعْلَ قَوْلِهِ: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) قَيْدًا لِلتَّكَبُّرِ، وَجَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ مَا هُوَ حَقٌّ، لِأَنَّ لِلْمُحِقِّ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى الْمُبْطِلِ، وَمِنْهُ الْمَقَالَةُ الْمَشْهُورَةُ «الْكِبْرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ» وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهَا جَرَتْ عَلَى الْمَجَازِ أَوِ الْغَلَطِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها) وَ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ.
وَالسَّبِيلُ مُسْتَعَارٌ لِوَسِيلَةِ الشَّيْءِ بِقَرِينَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى الرُّشْدِ وَإِلَى الْغَيِّ.
وَالرُّؤْيَةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِدْرَاكِ.
وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ وَفِعْلُ النَّافِعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الشَّيْءُ الصَّالِحُ كُلُّهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَالْغَيُّ: الْفَسَادُ وَالضَّلَالُ، وَهُوَ ضِدُّ الرُّشْدِ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا أَنَّ السَّفَهَ ضِدُّ الرُّشْدِ بِمَعْنَى حُسْنِ النَّظَرِ فِي الْمَالِ، فَالْمَعْنَى: إِنْ يُدْرِكُوا الشَّيْءَ الصَّالِحَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَإِنْ يُدْرِكُوا الْفَسَادَ عَمِلُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الْهَوَى.
وَالتَّعْبِيرُ فِي الصِّلَاتِ الْأَرْبَعِ بِالْأَفْعَالِ الْمُضَارَعَةِ: لِإِفَادَةِ تَجَدُّدِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَيْهَا.
وَجُمْلَةُ: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، لِأَنَّ تَوْسِيمَهُمْ بِتِلْكَ الصِّلَاتِ يُثِيرُ سُؤَالًا.
وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ السَّابِقُ، نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَاسْتُعْمِلُ لَهُ اسْمُ إِشَارَةِ الْمُفْرِدِ لِتَأْوِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْمَذْكُورِ، أَيْ مَنْ يَفْعَلِ الْمَذْكُورَ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ كَثِيرٌ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ.
وَجُعِلَ الْمُسْنَدُ فِعْلًا مَاضِيًا، لِإِفَادَةِ أَنَّ وَصْفَ التَّكْذِيبِ قَدِيمٌ رَاسِخٌ فِيهِمْ، فَكَانَ رُسُوخُ ذَلِكَ فِيهِمْ سَبَبًا فِي أَنْ خَلَقَ الطَّبْعَ وَالْخَتْمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يَشْعُرُونَ بِنَقَائِصِهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَلَا يَزَالُونَ مُتَكَبِّرِينَ مُعْرِضِينَ غَاوِينَ.
وَمَعْنَى (كَذَّبُوا بِآياتِنا) إِنَّهُم ابتدأوا بِالتَّكْذِيبِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا، وَلَمْ يَهْتَمُّوا بِالتَّأَمُّلِ فِي الْآيَاتِ فَدَامُوا عَلَى الْكِبْرِ وَمَا مَعَهُ، فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِالْآيَاتِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُمْ حَصَلَ مِنْهُمُ التَّكْذِيبُ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها) .
وَالْغَفْلَةُ انْصِرَافُ الْعَقْلِ وَالذِّهْنِ عَنْ تَذَكُّرِ شَيْءٍ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْقُرْآنِ فِيمَا كَانَ عَنْ قَصْدٍ بِإِعْرَاضٍ وَتَشَاغُلٍ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهَا مَا كَانَ عَنْ قَصْدٍ، وَهُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ وَالْمُؤَاخَذَةِ، فَأَمَّا الْغَفْلَةُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ: يُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ.
وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ غَفْلَتَهُمْ عَنْ قَصْدٍ صِيغَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِصِيغَةِ (كانُوا عَنْها غافِلِينَ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ غَفْلَتِهِمْ.
وَكَوْنِهَا دَأْبًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا تَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا كَانُوا قَدِ الْتَزَمُوهَا، فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَعْتَرِيهِمْ وَقد تفارقهم.