(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(184)
والاستفهام لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: (مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) نَافِيَةٌ كَمَا يُؤْذِنُ بِهِ دُخُولُ (مِنْ) عَلَى مَنْفِيِّ (مَا) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) فِي قُوَّة: أَولم يَتَفَكَّرُوا صَاحِبُهُمْ غَيْرُ مَجْنُونٍ، مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جَنَّةٍ.
وَ «الصَّاحِبُ» حَقِيقَتُهُ الَّذِي يُلَازِمُ غَيْرَهُ فِي حَالَةٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ.
فوصف الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْآيَاتِ: هُوَ بِمَعْنَى الَّذِي اشْتَغَلُوا بِشَأْنِهِ وَلَزِمُوا الْخَوْضَ فِي أَمْرِهِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) [التكوير: 22] .
وَالْجِنَّةُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - اسْمٌ لِلْجُنُونِ، وَهُوَ الْخَبَالُ الَّذِي يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ أَثَرِ مَسِّ الْجِنِّ إِيَّاهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ.
وَجُمْلَةُ: (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِجَوَابِ سَائِلٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: فَمَاذَا شَأْنُهُ، أَوْ هِيَ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ جُمْلَةِ: (مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) فَفُصِلَتْ لِكَمَالِ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا الْمُغْنِي عَنِ الْعَطْفِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ إِتْبَاعِ «النَّذِيرِ» بِوَصْفِ «الْمُبِينِ» التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ لَمْ يَنْصَاعُوا لِنِذَارَتِهِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ مِنْ شَرٍّ مَا حَذَّرَهُمْ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَقْطَعُ عُذْرَهُمْ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ أَوْصَاف الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّذَارَةِ وَالْبَيَانِ، وَذَلِكَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، هُوَ قَصْرُ قَلْبٍ، أَيْ هُوَ نَذِيرٌ مُبِينٌ لَا مَجْنُونٌ كَمَا يَزْعُمُونَ، وَفِي هَذَا اسْتِغْبَاءٌ أَوْ تَسْفِيهٌ لَهُمْ بِأَنَّ حَالَهُ لَا يَلْتَبِسُ بِحَالِ الْمَجْنُونِ لِلْبَوْنِ الْوَاضِحِ بَيْنَ حَالِ النِّذَارَةِ الْبَيِّنَةِ وَحَالِ هَذَيَانِ الْمَجْنُونِ.
فَدَعْوَاهُمْ جُنُونَهُ: إِمَّا غَبَاوَةٌ مِنْهُمْ بِحَيْثُ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الْحَقَائِقُ الْمُتَمَايِزَةُ، وَإِمَّا مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ وَافْتِرَاءٌ على الرَّسُول.