فهرس الكتاب

الصفحة 1998 من 4110

[سُورَة النِّسَاء(4): الْآيَات 145 إِلَى 146]

(إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)

عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ) كَمَا تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَشَدُّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا.

فَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ إِلَى ذِكْرِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء معدودن مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّ لِانْتِقَالَاتِ جُمَلِ الْكَلَامِ مَعَانِيَ لَا يُفِيدُهَا الْكَلَامُ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ تَرْتِيبِ الْخَوَاطِرِ فِي الْفِكْرِ.

وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِـ (إِنَّ) لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهُ.

وَالدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ دَرَكَةٍ، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ.

وَالدَّرَكَةُ الْمَنْزِلَةُ فِي الْهُبُوطِ.

وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ، أَيْ فِي أَذَلِّ مَنَازِلِ الْعَذَابِ، لِأَنَّ كُفْرَهُمْ أَسْوَأُ الْكُفْرِ لِمَا حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ.

وَالْخِطَابُ فِي (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ سَمَاعُ الْخِطَابِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وَقَطْعٌ لِرَجَائِهِمْ، لِأَنَّ الْعَرَبَ أَلِفُوا الشَّفَاعَاتِ وَالنَّجَدَاتِ فِي الْمَضَائِقِ.

فَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ تَذْيِيلُ الْوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ فِي النَّصِيرِ وَالْفِدَاءِ وَنَحْوِهِمَا.

(فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)

وَفِي لَفْظِ (مَعَ) إِيمَاءٌ إِلَى فَضِيلَةِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفَاقِ لِأَنَّ (مَعَ) تَدَخُلُ عَلَى الْمَتْبُوع وَهُوَ الأفصل.

وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) لِزِيَادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَابُوا، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ.

وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ زَادَهُ هُنَا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) .

وَحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَجْرِ أَجْرُ الدُّنْيَا وَهُوَ النَّصْرُ وَحُسْنُ الْعَاقِبَةِ وَأَجْرُ الْآخِرَةِ، إِذِ الْكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وَأَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الثَّوَابَ لِأَنَّهُ حَصَلَ من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت