(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ تَنْبِيهٌ لِفُقَهَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى الِاحْتِرَازِ فِي الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ كَانَ دَلِيلُهُ غَيْرَ بَالِغٍ قُوَّةَ دَلِيلِ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا قَدْ حَرَّمُوا أَشْيَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْأَنْعَامِ، وَقَدْ أَبْطَلَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الْأَعْرَاف: 32] ، وَقَوْلِهِ: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ) [الْأَنْعَام: 140] ، وَقَوْلِهِ: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ - إِلَى قَوْلِهِ - فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الْأَنْعَام: 143، 144] ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَجُمْلَةُ (وَلا تَعْتَدُوا) مُعْتَرِضَةٌ، لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ تَحْرِيمَ الطَّيِّبَاتِ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا شَرْعَ اللَّهِ، فَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.
وَبِمَا فِي هَذَا النَّهْيِ مِنَ الْعُمُومِ كَانَتِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.
وَذِكْرُهُ فِي مُقَابَلَةِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ تَجَاوُزِ حَدِّ الْإِذْنِ الْمَشْرُوعِ، كَمَا قَالَ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها) [الْبَقَرَة: 229] .
وَقَوْلُهُ: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا)
وَاقْتُصِرَ عَلَى الْأَكْلِ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَا حَرَّمَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هُوَ الْمَآكِلُ.
وَكَأَنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِهِمْ بِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالْمُهِمَّاتِ خَيْرٌ مِنَ التَّهَمُّمِ بِالْأَكْلِ، كَمَا قَالَ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) [الْمَائِدَة: 93] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) جَاءَ بِالْمَوْصُولِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى عِلَّةِ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، أَيْ لِأَنَّ شَأْنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَقْتَضِيَ التَّقْوَى، فَلَمَّا آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَاهْتَدَيْتُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَكَمِّلُوهُ بِالتَّقْوَى.
رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَقِيَ الْفَرَزْدَقَ فِي جَنَازَةٍ، وَكَانَا عِنْدَ الْقَبْرِ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِلْفَرَزْدَقِ: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا؟
يَعْنِي الْقَبْرَ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله كَذَا كَذَا سَنَةً.
فَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا الْعَمُودُ، فَأَيْنَ الْأَطْنَاب.