(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ(53)
جُمْلَةُ (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) مستأنفة استئنافا بَيَانِيًّا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يُثِيرُ سُؤَالَ مَنْ يَسْأَلُ: فَمَاذَا يُؤَخِّرُهُمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ؟ وَهَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ آيَةً عَلَى صدق الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَكَانَ قَوْلُهُ: (هَلْ يَنْظُرُونَ) كَالْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، الَّذِي يَجِيشُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَمَعْنَى (يَنْظُرُونَ) يَنْتَظِرُونَ مِنَ النَّظْرَةِ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ، وَإِطْلَاقُ الِانْتِظَارِ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ: شَبَّهُ حَالَ تَمَهُّلِهِمْ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي سَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا أَوْعَدَهُمْ بِهِ الْقُرْآنُ بِحَالِ الْمُنْتَظِرِينَ، وَهُمْ لَيْسُوا بِمُنْتَظِرِينَ ذَلِكَ إِذْ هُمْ جَاحِدُونَ وُقُوعَهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) [مُحَمَّد: 18] - وَقَوْلِهِ - (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) [يُونُس: 102] وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي فِعْلِ يَنْظُرُونَ فَقَطْ.
وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَغْرَاضِ نِسْيَانِهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِالْآيَاتِ.
وَالتَّأْوِيلُ تَوْضِيحُ وَتَفْسِيرُ مَا خَفِيَ، مِنْ مَقْصِدِ كَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ، وَتَحْقِيقُهُ، قَالَ تَعَالَى: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [الْكَهْف: 78] .
وَتَأْوِيلُهُ وُضُوحُ مَعْنَى مَا عَدُّوهُ مُحَالًا وَكَذِبًا، مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَرِسَالَةِ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّةِ الْإِلَهِ وَالْعِقَابِ، فَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ أَيْ تَحْقِيقُهُ وَوُضُوحُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَمَا بَعْدَ الْعَيَانِ بَيَانٌ.
وَإِتْيَانُ تَأْوِيلِهِ مَجَازٌ فِي ظُهُورِهِ وَتَبَيُّنِهِ بِعَلَاقَةِ لُزُومِ ذَلِكَ لِلْإِتْيَانِ.
وَالتَّأْوِيلُ مُرَادٌ بِهِ مَا بِهِ ظُهُورُ الْأَشْيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الْقُرْآنِ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ وَمَا تَوَعَّدَهُمْ.
و (الَّذِينَ نَسُوهُ) هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَهُمْ مُعَادُ ضَمِيرِ يَنْظُرُونَ فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: يَقُولُونَ، إِلَّا أَنَّهُ أُظْهِرَ بِالْمَوْصُولِيَّةِ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ نَسُوهُ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَأَنْكَرُوهُ، تَسْجِيلًا مُرَادًا بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى خَطَئِهِمْ وَالنَّعْيُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ يَجُرُّونَ بِإِعْرَاضِهِمْ سُوءَ الْعَاقِبَةِ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَالنِّسْيَانُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِعْرَاضِ وَالصَّدِّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) [الْأَعْرَاف: 51] .
وَالْقَوْلُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَخْبَارِ مُطَابَقَتُهَا لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ، أَيْ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الْحَقَّ وَيُصَرِّحُونَ بِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اعْتِرَافًا بِخَطَئِهِمْ فِي تكذيبهم الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الرُّسُلَ هُنَا، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ المكذّبين محمّدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ بِالرُّسُلِ السَّابِقِينَ، وَهُمْ لَمَّا كَذَّبُوهُ جَرَّأَهُمْ تَكْذِيبُهُ عَلَى إِنْكَارِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ إِذْ قَالُوا (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الْأَنْعَام: 91] أَوْ لِأَنَّهُمْ مُشَاهِدُونَ يَوْمَئِذٍ مَا هُوَ عِقَابُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ عَلَى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ، فَيَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلُ عَنْ تَأَثُّرٍ بِجَمِيعِ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّامِلِ لَهُمْ وَلِمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْأُمَمِ.
وَقَوْلُهُمْ: (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِخَطَئِهِمْ فِي تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَإِنْشَاءٌ لِلْحَسْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِبْدَاءُ الْحَيْرَةِ فِيمَا ذَا يَصْنَعُونَ.
وَلِذَلِكَ رَتَّبُوا عَلَيْهِ وَفَرَّعُوا بِالْفَاءِ قَوْلَهُمْ: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ إِلَى آخِرِهِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يُرْشِدُهُمْ إِلَى مُخَلِّصٍ لَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْوَرْطَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّمَنِّي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي النَّفْيِ.
عَلَى مَعْنَى التَّحَسُّرِ وَالتَّنَدُّمِ.
و (مِنْ) زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ.
فَتُفِيدُ تَوْكِيدَ الْعُمُومِ فِي الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، لِيُفِيدَ أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَمَّنْ تَوَهَّمُوهُمْ شُفَعَاءَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، إِذْ قَدْ يَئِسُوا مِنْهُمْ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) [الْأَعْرَاف: 94] بَلْ هُمْ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ أَيِّ شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهُمْ.
وَلَوْ يَكُونُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي نَاصَبُوهُ الْعَدَاءَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي (سُورَةِ الْمُؤْمِنِ) [11] (فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) .
وَعَطَفَ فِعْلَ (نُرَدُّ) بِـ (أَوْ) عَلَى مَدْخُولِ الِاسْتِفْهَامِ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْآخَرِ، فَإِذَا حَصَلَتِ الشَّفَاعَةُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الرَّدِّ، وَإِذَا حَصَلَ الرَّدُّ اسْتُغْنِيَ عَنِ الشَّفَاعَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِمْ: (فَنَعْمَلَ) مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ، وَهُوَ الْأَهَمُّ، مِثْلُ اعْتِقَادِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْبَعْثِ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَلِأَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارٌ عَمَلِيَّةٌ، مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَامْتِثَالٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ) فَالضَّلَالُ مُسْتَعَارٌ لِلْعَدَمِ [عَلَى] طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ شَبَّهَ عَدَمَ شُفَعَائِهِمُ الْمَزْعُومِينَ بِضَلَالِ الْإِبِلِ عَنْ أَرْبَابِهَا تَهَكُّمًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّهَكُّمُ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى مُحَاكَاةِ ظَنِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ قَبْلُ (قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) [الْأَعْرَاف: 37] .
وَ (مَا) مِنْ قَوْلِهِ: (مَا كانُوا يَفْتَرُونَ مَوْصُولَةٌ، مَا صَدَّقَهَا الشُّفَعَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَحُذِفَ عَائِدُ الصِّلَةِ الْمَنْصُوبُ، أَيْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَهُ، أَيْ يُكَذِّبُونَهُ إِذْ يَقُولُونَ (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا) وَهُمْ جَمَادٌ لَا حَظَّ لَهُم فِي شئون الْعُقَلَاءِ حَتَّى يَشْفَعُوا، فَهُمْ قَدْ ضَلُّوا عَنْهُمْ مِنَ الْآنِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْمُضِيِّ لِأَنَّ الضَّلَالَ الْمُسْتَعَارَ لِلْعَدَمِ مُتَحَقِّقٌ مِنْ ماضي الْأَزْمِنَة.