(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(117)
وَالْبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُنْشَآتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَذَلِكَ هُوَ خَلْقُ أُصُولِ الْأَنْوَاعِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ مُتَوَلِّدَاتِهَا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ الْأَرْضِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ آدَمَ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ نِظَامِ التَّنَاسُلِ إِبْدَاعٌ.
وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِبَدِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُرَادٌ بِهِ أَنه بديع مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي هَذَا الْوَصْفِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، فَلَا شَيْءَ مِنْ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ أَهْلٌ لِأَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُ بَلْ جَمِيعُ مَا بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الْبَقَرَة: 116] وَلِهَذَا رُتِّبَ نَفْيُ الْوَلَدِ عَلَى كَونه (بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ) فِي (سُورَةِ الْأَنْعَامِ) [10] بِقَوْلِهِ: (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) .
وَقَوْلُهُ: (وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) إِلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصَارَى وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُ وَلَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا بِتَكْوِينٍ وَاحِدٍ وَكُلُّهَا خَاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى تَوَهَّمُوا أَنَّ مَجِيءَ الْمَسِيحِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَكْوِينَ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ لَا شَيْءَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى التَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا وُجِدَ بِوَاسِطَةٍ تَامَّةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمرَان: 59] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسَى مِنْ أُمٍّ دُونَ أَبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ الله تَعَالَى.