(أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ هُنَا حَلَّ مَحَلَّ ذِكْرِ ضَمِيرِهِمْ، وَالْإِشَارَةُ أَحْسَنُ مِنْهُ وَقْعًا لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أَوْصَافِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالَّذِي أَخْتَارُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولئِكَ عَلى هُدًى) اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَتِ الْحَالَةَ بِالْحَالَةِ وَحُذِفَ لَفْظُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الْمَرْكَبُ الدَّالُّ عَلَى الرُّكُوبِ كَأَنْ يُقَالَ رَاكِبِينَ مَطِيَّةَ الْهُدَى وَأَبْقَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَبَّهِ وَهُوَ أُولئِكَ وَالْهُدَى، وَرَمْزٌ لِلْمَرْكَبِ الدَّالِّ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ لَفْظُ (عَلَى) الدَّالُّ عَلَى الرُّكُوبِ عُرْفًا كَمَا عَلِمْتُمْ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ الْهُدَى بِأَنَّهُ (مِنْ رَبِّهِمْ) لِلتَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الْهُدَى وَتَشْرِيفِهِ مَعَ الْإِشَارَةٍ بِأَنَّهُمْ بِمَحَلِّ الْعِنَايَةِ مِنَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَيْهِمْ هِيَ إِضَافَةُ تَعْظِيمٍ لِشَأْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ.
(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ الثَّانِيَةِ عَيْنُ مَرْجِعِ الْأُولَى، وَوَجْهُ تَكْرِيرِ اسْمِ الْإِشَارَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كِلْتَا الْأَثْرَتَيْنِ جَدِيرَةٌ بِالِاعْتِنَاءِ وَالتَّنْوِيهِ، فَلَا تُذْكَرُ إِحْدَاهُمَا تَبَعًا لِلْأُخْرَى بَلْ تُخَصُّ بِجُمْلَةٍ وَإِشَارَةٍ خَاصَّةٍ لِيَكُونَ اشْتِهَارُهُمْ بِذَلِكَ اشْتِهَارًا بِكِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ يُقَالُ فِيهِ كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
وَوَجْهُ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ دُونَ الْفَصْلِ أَنَّ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَوَسُّطًا بَيْنَ كَمَالَيِ الِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ لِأَنَّكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى اخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا وَزَمَنِ حُصُولِهِمَا فَإِنَّ مَفْهُومَ إِحْدَاهُمَا وَهُوَ الْهُدَى حَاصِلٌ فِي الدُّنْيَا وَمَفْهُومَ الْأُخْرَى وَهُوَ الْفَلَاحُ حَاصِلٌ فِي الْآخِرَةِ كَانَتَا مُنْقَطِعَتَيْنِ.
وَإِنْ نَظَرْتَ إِلَى تَسَبُّبِ مَفْهُومِ إِحْدَاهُمَا عَنْ مَفْهُومِ الْأُخْرَى، وَكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا بِالْوَصْفِ كَانَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ، فَكَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ كَمَالَيِ الِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ مُنْزِلًا إيَّاهُمَا منزلَة المتوسطين، كَذَا قَرَّرَ شُرَّاحُ «الْكَشَّافِ»
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَالَةَ التَّوَسُّطِ تَقْتَضِي الْعَطْفَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَتَعْلِيلُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الْمُقْتَضَيَانِ تَعَيَّنَ الْعَطْفُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي ذِكْرِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا بَعْدَ بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ: (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْمُفْلِحُونَ) لِلْجِنْسِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إِذْ لَا مَعْهُودَ هُنَا بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْحَالِ، بَلِ الْمَقْصُودُ إِفَادَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُفْلِحُونَ، وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ بِلَامِ الْجِنْسِ إِذَا حُمِلَ عَلَى مُسْنَدٍ إِلَيْهِ مُعَرَّفٍ أَفَادَ الِاخْتِصَاصَ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الْفَصْلِ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، أَيْ تَأْكِيدًا لِلِاخْتِصَاصِ.
قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : انْظُرْ كَيْفَ كَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّنْبِيهَ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُتَّقِينَ بِنَيْلِ مَا لَا يَنَالُهُ أَحَدٌ عَلَى طُرُقٍ شَتَّى وَهِيَ ذِكْرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَتَكْرِيرُهُ وَتَعْرِيفُ الْمُفْلِحِينَ، وَتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُولئِكَ لِيُبَصِّرَكَ مَرَاتِبَهُمْ وَيُرَغِّبَكَ فِي طَلَبِ مَا طَلَبُوا وَيُنَشِّطَكَ لِتَقْدِيمِ مَا قدمُوا.